الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحلقتين الأخيرتين من مذكرات الطاهر الزبيري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شمس الحق



عدد المساهمات : 35
نقاط : 3863
تاريخ التسجيل : 09/10/2011

مُساهمةموضوع: الحلقتين الأخيرتين من مذكرات الطاهر الزبيري   الإثنين 10 أكتوبر 2011, 11:44 am

كريم بلقاسم تبنى حركة 14 ديسمبر وآيت أحمد استضافني في المغرب
صحفية إنجليزية آوتني يوم طردني العالم
الحلقة: 15


في الحلقة السابقة تحدث الطاهر زبيري عن لجوئه في تونس ثم سفره سرا إلى سويسرا، معتقدا أنها بلد الحرية، أين التقى بحسين آيت أحمد الذي صار صديقه بعد أن كان خصمه السياسي عندما كان زبيري قائدا للأركان وآيت أحمد متمردا في جبال القبائل، أما اليوم فسيروي لنا زبيري رحلة العذاب بحثا عن أي دولة تقبل بلجوئه السياسي.
إبعادي من سويسرا
واصلت الشرطة السويسرية بحثها الحثيث عني لإخراجي من سويسرا بأمر من أعلى السلطات الأمنية وعلى رأسهم مدير الأمن الفدرالي ونائبه، وبعد فترة من البحث تمكنوا من الوصول إليّ في فندق صغير بضواحي العاصمة لوزان، وأخذوني معهم واستجوبوني حول تحركاتي داخل التراب السويسري وعلاقتي بالمعارضة الجزائرية.
وقبل انتهاء الاستجواب أخبروني أنه ممنوع عليّ البقاء في سويسرا، فالشرطة الفدرالية السويسرية كانت تنظر إليّ على أني ضابط شاب أراد الانقلاب على رئيسه ومحاولة اغتياله، حيث حمّلوني مسؤولية محاولة اغتيال بومدين، وهي العملية التي أشرف على التخطيط لها الرائد عمار ملاح، لذلك كانوا غير متحمسين لبقائي في سويسرا.
كنت حينها مصاب بحمى شديدة وارتفعت درجة حرارتي لتصل إلى41 درجة، فقلت لهم إني مريض وبحاجة إلى العلاج هنا، فقال لي مدير الأمن الفدرالي السويسري:
ـ عندما ترغب في العلاج في سويسرا أرسل لنا أينما كنت لنبعث لك رخصة لتدخل إلى التراب السويسري شريطة أن لا تدوم مدة العلاج 15 يوما، كما بإمكانك أن تقاضي الحكومة السويسرية على قرار إبعادك، وبعد 24 ساعة من الآن إن لم تغادر التراب السويسري فسنضعك على الحدود التي نختارها نحن.
ـ كيف يحدث هذا، فأنا لاجئ سياسي هنا ولا أحمل معي الملايير حتى أتنقل من بلد إلى آخر، كما أني لا أقوم بأي نشاط سياسي على التراب السويسري.
ـ نحن لدينا مشاكل مع الحكومة الجزائرية، التي تحتجز طائرة عسكرية سويسرية كانت محملة بالأسلحة إلى مقاطعة "بيافرا" (كانت تسعى للانفصال عن نيجيريا، وأرسلت سويسرا طائرة محملة بالأسلحة إلى المتمردين البيافريين قبل أن تنزل الطائرة اضطراريا في الصحراء الجزائرية في مدينة عين أمناس، فألقى الجزائريون القبض على طاقم الطائرة بعد أن وجدوا أنها محملة بالأسلحة المتوجهة إلى بيافرا)، كما أن المشكل الثاني يتمثل في أن الإذاعة الجزائرية تبث على نفس الموجة التي تبث منها الإذاعة السويسرية، ونحن معها في نزاع قضائي في محكمة لاهاي، وهناك نزاع تجاري بيننا متعلق بالخمور، ونحن نسعى لحل هذه المشاكل مع الجزائر ولا نريد أن ندخل في مشكل آخر بسببك.
وكانت سويسرا التي تدعي الحياد وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول غارقة إلى أخمص قدميها في النزاع الداخلي بنيجيريا من خلال دعمها للانفصاليين البيافريين بالسلاح، في الوقت الذي اتخذت الجزائر موقفا مساندا لوحدة نيجيريا، كما تمكنت الجزائر من اعتقال موييس تشومبي زعيم مقاطعة "كتنغا" المتمرد على حكومة الكونغو برازفيل عندما كان قادما من أوروبا في اتجاه المغرب مرورا بالأجواء الجزائرية، فأجبرت السلطات الجزائرية الطائرة التي كانت تقله على النزول وألقت عليه القبض، خاصة وأنه كان متهما بقتل باتريس لومومبا أحد زعماء التحرير الأفارقة البارزين ورئيس الكونغو.
لم يكن بيدي أي خيار فغادرت رفقة محمد شبيلة التراب السويسري إلى مدينة ميلانو الإيطالية التي بقيت فيها 15 يوما، وكنا نتنقل بالسيارة إلى عدة مدن أوروبية، وعندما أمرض أرسل طلبا للسلطات السويسرية للسماح لي بالعلاج على أراضيها، فكانوا يرسلون لي رخصة الدخول في ظرف قياسي لا يتجاوز أربعة أيام، ولحسن حظي لم تعط السلطات السويسرية تعليمات على مستوى الحدود لمنعنا من الدخول، فكنا ندخل ونخرج بحرية، حيث أقمت في مدينة شتوتغرت الألمانية القريبة من الحدود السويسرية على أمل أن تحل مشكلتي قريبا، ولكني بقيت 12 سنة في المنفى دون أن أتمكن من الحصول على اللجوء السياسي.
الصحفية الانجليزية "مارغاريت"
حاول حسين آيت أحمد مساعدتي في الحصول على اللجوء السياسي بسويسرا بالاستعانة بإحدى الصحافيات الانجليزيات التي لها علاقة بالاستخبارات البريطانية، حيث كان والدها ضابطا ساميا في الجيش الانجليزي برتبة عقيد، وكانت هذه الصحفية التي تدعى "مارغريت بوب" والمولودة في 1918 (كانت تكبرني بـ11 سنة) معروفة بدعمها لحركات التحرر ونضال الشعوب المستعمرة الراغبة في الاستقلال من الاستعمارين الانجليزي أو الفرنسي، وأجرت عدة لقاءات صحفية مع زعماء ثوريين في كل من الهند الصينية والمغرب وتونس، وفي هذه الأخيرة استطاعت أن تسرق ختم رئيس الحكومة التونسية الموالي لفرنسا من مكتبه وأن تسلمه لبورڤيبة الذي كان يقود حينها المعارضة التونسية المطالبة بالاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، كما ساعدت الشيوعيين في الصين بقيادة "ماوتسي تونغ" و"شوين لاي" الذي أصبح رئيس وزراء الصين الشعبية.
وسبق لهذه الصحفية أن قدمت خدمات جليلة لمخابرات الثورة الجزائرية في عهد عبد الحفيظ بوصوف الذي استعان بها في عدة مناسبات على غرار إرسالها إلى الصحراء الجزائرية في 1960 للتأكد إن كان متطرفو منظمة اليد الحمراء الإرهابية ينوون فعلا تفجير آبار النفط الجزائرية لإفشال مفاوضات إيفيان التي انطلقت، وذهبت مارغاريت إلى الصحراء وقابلت متطرفي الكولون واليد الحمراء وتأكدت من نواياهم الكيدية لتفجير آبار النفط، وجاءت بتقرير مفصل إلى بوصوف، وكتبت مقالات ساخنة في هذا الشأن لإحراج منظمة "اليد الحمراء" الإرهابية وإجهاض مخططاتها قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ، كما سرب لها الثوار معلومات حساسة قصد إيصالها إلى الرأي العام الأوروبي والعالمي وفضح المناورات الفرنسية وجرائم منظمة الجيش السري الإرهابية التي اغتالت عدة شخصيات ثورية وأحرقت عدة مرافق عمومية على غرار مكتبة الجامعة المركزية، وفجرت قنبلة بميناء الجزائر راح ضحيتها 50 عاملا جزائريا من الدواكرة، وكانت مارغاريت تنشر كل هذه الجرائم في الصحافة العالمية مبرزة همجية الاستعمار وساهمت بشكل أو بآخر في حشد تعاطف الرأي العام الدولي مع الثورة الجزائرية.
وبعد الاستقلال أقامت هذه الصحفية في الجزائر بشكل شبه دائم، ولكنها عندما أجرت حوارا مع آيت أحمد لما كان في جبال القبائل قرر أحمد بن بلة طردها نهائيا من الجزائر، فاستقرت في كندا وواصلت عملها في الصحافة إلى جانب تأليفها للكتب.
وافقت مارغاريت على استعمال علاقاتها الواسعة بالسلطات السويسرية لحثها على قبول لجوئي السياسي لديهم، وعرضت على آيت أحمد أن آتي لأقيم في بيتها في لوزان بينما يقيم محمد شبيلة عند صديقها، فقد كنت أرغب في دراسة الفرنسية بسويسرا، غير أن مساعيها لدى السلطات السويسرية باءت كلها بالفشل فوضعيتي كانت جد معقدة والمسؤولون السويسريون لم يكونوا على استعداد لتأزيم علاقاتهم مع الجزائر التي كانت تتمتع بسمعة دولية كبيرة بفضل الزخم الذي تركته الثورة الجزائرية، وأقمت في بيت هذه الصحفية لسنوات.
كانت مارغريت جامعة متنقلة بحق، فهي كاتبة صحفية وأستاذة في اللغة الانجليزية بإحدى الجامعات السويسرية وتتقن عدة لغات كالعربية والفرنسية والإيطالية إلى جانب الانجليزية، وزارت عدة بلدان والتقت عدة شخصيات عالمية مما أكسبها ثقافة واسعة، واستفدت كثيرا من تجاربها ومن مهنتها كصحفية وكأستاذة جامعية، وكعميلة سرية للمخابرات البريطانية أيضا فقد كنت أعلم بحقيقة هذا الأمر حتى وإن لم تخبرني به، فقد كانت المخابرات البريطانية ترسلها من حين إلى آخر إلى نقاط ساخنة من العالم للتحري والقيام بمهام محددة مثلما كان عليه الحال في الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990).
ودامت علاقتي بمارغاريت حتى بعد عودتي من المنفى إلى الجزائر، حيث زارتني في بيتي بالجزائر سنة 1982، وتعرفت على زوجتي وبناتي، فقد كانت مارغاريت أكثر من أخت كبرى رغم اختلافنا في الدين والعرق واللغة.
أصبحت كالمشرد في هذا العالم فرغم شساعته لم أجد دولة تقبل بي كلاجئ سياسي لديها، فأزمتي مع بومدين كان لها صدا دوليا واسعا عاد عليّ بالضرر، وكأن بومدين صار ماردا يخشى العالم من سطوته، وبقيت هائما لسنوات في أوروبا متنقلا رفقة محمد شبيلة في السيارة باسم مستعار، ولم أكن أمكث في كل بلد سوى لمدة لا تتجاوز العشرين يوما حتى لا يكتشف أمري، في حين لم يكن شبيلة مضطرا لتغيير اسمه لأنه لم يكن معروفا ولا مطاردا مثلي، فقد كان شابا حذقا ومثقفا ويجيد اللغة الفرنسية والذي تعرفت عليه منذ 1956 .
من تونس إلى سويسرا وإيطاليا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وحتى المغرب الذي كان في خصومة مع الجزائر قضيت 12 سنة هائما بلا أرض أستقر بها.. وطوال هذه الفترة عرفت الكثير من الجزائريين المنفيين طوعا أو كرها ولكني لم أعرف منفيا عانى مثلما عانيته، فأينما حللت لم أجد مكانا يحتضنني، الكل يشهر في وجهي بطاقة المنع من الإقامة على أرضه.
فكرت في كل الدول التي يمكنها أن تقبلني كلاجئ سياسي لديها بما فيها البرتغال التي كانت تحت حكم سلازار الذي يعتبره الأوروبيون ديكتاتورا وطاغية، ورغبت في اللجوء إلى أي بلد عربي لأني كنت بحاجة إلى تهريب عائلتي من الجزائر عبر تونس، خاصة وأنهم كانوا يقيمون في مدينة الونزة التي لا تبعد عن الحدود التونسية إلا بـ15 كيلومترا.. كنت طريدا بلا وطن ولا أهل ولا بيت ولا نقود، سلوتي في هذه الحياة كان صديقي محمد شبيلة الوحيد الذي آنس وحشتي.
لقائي بكريم بلقاسم ومحاولة لجوئي إلى المغرب
قابلت كريم بلقاسم في سويسرا ثم في فرنسا في 1969، وتبادلنا النقاش حول الوضع في الجزائر، وحالة النظام الذي يقوده بومدين، وعبر كريم بلقاسم الذي كان خلال الثورة نائبا لرئيس الحكومة المؤقتة ووزيرا للقوات المسلحة عن معارضته الشديدة لنظام بومدين، والذي كان سببا مباشرا في إزاحته عن السلطة، رغم أنه كان أحد الرجال الأقوياء في ثورة التحرير منذ تفجيرها إلى غاية الاستقلال.
ورغب كريم بلقاسم على غرار آيت أحمد في إقناعي بضرورة الانخراط معه في حزبه المعارض الذي أسسه في المنفى، ولكني لم أكن متحمسا لذلك، كما أراد أن يعرف ما إذا كان مازال لدي قوة ونفوذ داخل الجيش يمكن الاستعانة بهما في حالة القيام بأي عمل ضد نظام بومدين.
وقبل أن نفترق أخبرني كريم أنه سيذهب إلى المغرب وعندما سيعود سنلتقي مجددا في سويسرا، لكني اغتنمت الفرصة وطلبت منه أن يجس نبض السلطات المغربية إن كانوا يقبلون بلجوئي السياسي عندهم، خاصة وأنني كنت على علم مسبق بالخلافات الموجودة بين نظام الملك الحسن الثاني ونظام بومدين.
فقال لي كريم: سأقيم أسبوعا في المغرب وعندها سأعود لك بردهم.
ولكن بعدما عاد كريم بلقاسم من الرباط أخبرني أن السلطات المغربية لا ترغب في أن أذهب إليهم في الوقت الحاضر، رغم أنه أخبرهم بأن حركة 14 ديسمبر التي قمت بها ضد بومدين كانت بإيعاز منه وأن حزبه المعارض كان يتبناها، بل وأنه هو من شجعني شخصيا إلى التمرد.
لكن عدم ترحيب المغرب على أرضه لم يمنعنِ من زيارته رفقة محمد شبيلة في خريف 1969، فتوجهنا من إسبانيا إلى المغرب عبر الباخرة وأقمنا لدى أقارب زوجته في دار البيضاء لمدة أربعة أيام، كما أقمنا ثلاثة أيام في مدينة طنجة، والتقينا هناك بالعديد من الجزائريين الذين قدموا لنا يد المساعدة.
ثم عدت إلى أوروبا بعد أن أعيانا مطاردة الأمن المغربي لنا ورفضهم إقامتنا عندهم، وحتى في فرنسا وجدنا نفس الرفض، فلا يمكن أن تنسى فرنسا بسهولة ما فعلنا بها في حرب التحرير، كما أن قضيتي مع بومدين جد حساسة، بالإضافة إلى أن المخابرات الجزائرية كانت تنشط بفرنسا ومع ذلك زرت خلال هذه الفترة فرنسا مرارا دون أن تلقي السلطات الفرنسية القبض عليّ رغم محاولتها توقيفي، حيث اتصل البوليس الفرنسي بأحمد محساس الذي خرج هو الآخر للمعارضة، وسألوه عني، لكنه لم يخبرهم بأي شيء، فقد كان محساس أحد الرجال الذين ساعدوني ماديا خلال هذه الفترة العصيبة من حياتي، وكذلك فعل أحد أعضاء ودادية الجزائر بفرنسا.
وخلال تواجدي على التراب الفرنسي التقيت مجددا بكريم بلقاسم، كما قابلت حسين آيت أحمد الذي أخبرني بأنه سيسافر إلى المغرب لزيارة عائلته التي كانت تقيم هناك باستثناء أبنائه الثلاثة الذين كانوا يدرسون في سويسرا، فقلت له:
ـ أرغب أنا أيضا في الذهاب إلى المغرب ولكنهم رفضوني.
وامتعض آيت أحمد عندما علم أن كريم بلقاسم توسط لي لدى السلطات المغربية حتى يقبلوا بي كلاجئ سياسي على ترابهم، وشعر وكأنني انضممت للحزب الذي أسسه كريم بلقاسم، ومع ذلك فقد عرض علينا أن يستضيفنا في بيته بالمغرب وقال:
ـ أنا ذاهب إلى العائلة وإذا أردتما الذهاب معي فأنتما وسط العائلة.
ورغم أن أبناء آيت أحمد الثلاثة درسوا كلهم بسويسرا إلا أن أمه وأخوه وأخواته البنات كانوا مقيمين جميعا في المغرب، بل إن إحدى أخواته متزوجة بمحامي مغربي يدعى عبد الهادي بركة.
وبحثت عن معارفي في المغرب فتذكرت محمد محجوب أحرضان وزير الدفاع الذي استقبلته في الجزائر يوم 5 جويلية 1966 رفقة وفد عسكري مغربي رفيع المستوى مشكل من جنرال وعقيدين، زاروا الجزائر يوم استرجعنا جثمان الأمير عبد القادر الذي كان مدفونا في سوريا، وحضر أحرضان مراسيم إخرج جثمان الأمير من المطار.
قررت الذهاب مع آيت أحمد إلى المغرب وتجريب حظي مرة أخرى فلم يكن لي ما أخسر، فالتقينا مجددا في مدينة جنيف واتفقنا على موعد السفر إلى مدينة طنجة، وفي اليوم المحدد قابلت آيت أحمد وكان هذه المرة مرفوقا بزوجته وابنيه يوغرطة وصالح وابنته الصغرى بشرى التي لم تكن تتجاوز حينها 12 سنة
تكفل آيت أحمد بجميع مصاريف السفر، وحجز لنا مقاعد في الطائرة عبر الهاتف، وعندما دخلنا نفق مطار جنيف المؤدي إلى الطائرة تفاجأت عندما لمحت رجل مخابرات جزائري يدعى حسناوي يعمل بالخطوط الجوية الجزائرية وكان مجاهدا بالقاعدة الشرقية، ومن المؤكد أنه تعرف علي، ولكن الأمور سارت بسلام ووصلنا إلى مطار طنجة بدون مشاكل، ووجدنا في استقبالنا أفراد من عائلة آيت أحمد الذين أخذونا في السيارات إلى البيت.
أقمنا في بيت شقيق آيت أحمد والذي يسمى "محمد أمقران" الذي تكفل بنا بشكل تام، ولم يكن ينقصنا عنده شيء، وبعد أيام اتصل آيت أحمد بمحجوب أحرضان الذي لم يعد وزيرا للدفاع بل وزيرا للفلاحة وجاء لزيارتي في بيت آيت أحمد رفقة الجنرال أوفقير وزير الداخلية ونائبه محمد بلعالم كاتب الدولة للداخلية.
جلسنا وتبادلنا الآراء حول الوضع في الجزائر، وسألوني عن ملابسات واقعة 14 ديسمبر 1967 وعن وضعية الجيش الجزائري بعد هذه الواقعة فقلت لهم: بومدين أصبح يسيطر على السلطة، وكان أحرضان وأوفقير يعرفان أنه كان لي دور أساسي في الإطاحة ببن بلة الذي لم يكونا يحملان له محبة كبيرة لأنه احتضن المعارضة المغربية في الجزائر ومنح رموزها حق اللجوء السياسي وعلى رأسهم مهدي بن بركة الذي أقام في الجزائر، لكن المغرب من جهته هو الآخر احتضن معارضين جزائريين بارزين وعلى رأسهم محمد بوضياف وآيت أحمد وكريم بلقاسم ولبجاوي (متوفي).
بومدين رفض أن ينفذ الإعدام على رفاقي في عيد الأضحى
وفاة بومدين... صعود الشادلي و مؤامرات القذافي
الحلقة 16 والأخيرة

في الحلقة الأخيرة وليست الآخرة ستكتفي الشروق بالتوقف عند تفاصيل عودة العقيد الطاهر زبيري من منفاه الاضطراري إلى أرض الوطن، مع الإشارة إلى أن عدة فصول والكثير من التفاصيل التي لم تنشرها الشروق موجودة في كتاب "نصف قرن من الكفاح: مذكرات قائد أركان جزائري"، الذي سيكون متواجدا بالمكتبات في مختلف أنحاء الوطن مع نهاية هذا الأسبوع بإذن الله.
ملحمة محاكمة ضباط حركة 14 ديسمبر
بعد أيام قضيناها في المغرب توجهنا إلى إسبانيا مع آيت أحمد وافترقنا هناك، حيث مكثنا ثلاثة أيام، وفي تلك الفترة (1969) عادت قضية الضباط المشاركين في حركة 14 ديسمبر 1967 إلى واجهة الأحداث بإعلان بداية محاكمتهم، وكان الإعدام الحكم المتوقع في مثل هذه الحالات، ولم يكن بإمكاني أن أبقى مكتوف الأيدي إزاء هذا الخطر المحدق بأخلص رجالي، ولم يكن من الصدفة أيضا أن تتزامن بداية محاكمتهم مع انطلاق المهرجان الثقافي الإفريقي الذي سعى بومدين من خلاله إلى التغطية على هذه المحاكمة.
اتصلت بأشهر المحامين في المغرب على غرار بوستة الذي كان وزيرا سابقا للعدل، واتصلت بعلال الفاسي رئيس حزب الاستقلال المغربي، والمحامي معطي بوعبيد، وآخر يسمى "تبر"، وتحدثت مع نائب رئيس اتحاد المحامين العرب وهو مغربي ويسمى يوسفي (أصبح فيما بعد رئيسا للحكومة) ووافق لحضور المحاكمة كملاحظ، ولكن السلطات الجزائرية منعته، كما منعت جميع المحامين المغربيين من دخول الجزائر للمرافعة لصالح ضباط حركة 14 ديسمبر باستثناء واحد منهم ويدعى "برادة" والذي شغل أيضا منصب مدير جريدة العلم المغربية والذي تمكن من دخول الجزائر وقابل الضباط المسجونين لكن عندما اكتشفوا أمره منعوه من المرافعة لصالح موكليه، ورغم أن محمد شبيلة رجع إلى المغرب لتشجيع المحامين المغربيين على حضور المحاكمة، إلا أنهم اعتذروا عن المرافعة لصالحهم في ظل هذه الظروف.
وتنقلت إلى لوزان وإلى تونس ووكلت محامين آخرين للدفاع عن ضباط حركة 14 ديسمبر، كما قام أقارب الضباط المعتقلين بتوكيل محامين جزائريين كان من بينهم علي هارون الذي وصل في 1992 إلى منصب عضو في المجلس الأعلى للدولة.
بومدين: لن أضحي بالعباد في العيد الذي يضحى فيه بالكباش
وعندما صدر حكم الإعدام في حق أبرز ضباط الحركة من قادة الفيالق، لم أيأس وسعيت بمساعدة الصحفية مارغريت إلى الضغط على بومدين بكل الوسائل من أجل عدم تنفيذ أحكام الإعدام، رغم أنه حكم عليّ أنا الآخر بالإعدام غيابيا، وهي المرة الثانية في حياتي التي يصدر في حقي حكم بالإعدام بعد ذلك الذي نطقت به محكمة استعمارية في 1955 ولكني تمكنت من الفرار حينها من السجن رفقة البطل مصطفى بن بولعيد و9 مجاهدين آخرين.
قامت مارغريت بكتابة هذه الرسالة، وتبنيت عملية محاولة اغتيال بومدين، رغم أنني لم أكن على علم بها أصلا، ولكني تحمّلت المسؤولية لأفعل أيّ شيء من شأنه إبعاد حبل المشنقة عن رقاب قادة الفيالق، وأكدت بأن هؤلاء الضباط ليسوا مسؤولين عن هذه الحركة التي قدتها، لأنهم لم يقوموا سوى بتنفيذ الأوامر التي أعطيت لهم، ولو لم يستجيبوا لذلك فهذا يعني أنهم ضباط ليسوا في المستوى لأنهم غير ملتزمين بواجب الطاعة لمن هم أعلى درجة منهم في سلم القيادة.
صورنا عشرات النسخ من هذه الرسالة، وجمعناهم في كيس وضعناه في السيارة، ولأنني كنت ممنوعا من ممارسة أي نشاط سياسي في سويسرا فقد اقترحت على مارغريت الذهاب إلى النمسا بالسيارة لإرسال هذه الرسائل عبر البريد، كنت مصابا حينها بالتهاب الحنجرة واشتد عليّ المرض ومع ذلك سقت السيارة من سويسرا إلى النمسا، وكانت مارغريت ترسل كمية من الرسائل في كل محطة وترجع إلى السيارة إلى أن وصلنا إلى مدينة "سان سبيري"، 15 كيلومتر داخل الحدود النمساوية، حينها أنهكني المرض ولم يبق في جسدي قوة تستجيب لروحي المتقدة، فقلت لمارغاريت: لا يمكنني أن أواصل أكثر.
أخذتني مارغريت إلى فندق قريب وأجرت لنا غرفة، وجاءتني بالطبيب، واعتنت بي طيلة أربعة أيام أكثر من والدتي، فقد كانت تحترمني لأنني أمازيغي من أصول شاوية، وكانت تحب الأمازيغ وسبق لها أن اتصلت بآيت أحمد عندما كان متحصنا بجبال القبائل.
أرسلنا هذه الرسالة من لوزان إلى جمال عبد الناصر وإلى العديد من الزعماء ووزراء الدفاع وقادة الأركان في الوطن العربي وفي مختلف دول العالم كالاتحاد السوفياتي، لعل فيهم من يضغط على بومدين لتجميد تنفيذ حكم الإعدام، كما أجريت حوارا مع صحفي فرنسي يعمل في جريدة "لوفيغارو" كان صديقا لمحمد شبيلة حيث أقمنا في بيته لمدة أسبوع.
واستجاب بومدين لهذا الضغط ولم ينفذ حكم الإعدام في حق ضباط حركة 14 ديسمبر، وسمعت أنه بعد سنوات من صدور هذا الحكم جاءه وزير الداخلية في عيد الأضحى وطلب منه أن يرخص له بتنفيذ الحكم الصادر بحقهم، لكن بومدين أبى ذلك وقال له مستهجنا "إذا كان الناس يضحون بالكباش فلن أضحي بالعباد يوم العيد".
الأسد، و الأتاسي و بوتفليقة
عندما انقلب وزير الدفاع السوري حافظ الأسد في 1970 على نظام الرئيس الأتاسي لجأ هذا الأخير رفقة وزير خارجيته إبراهيم ماخوس ومعهما خوري إلى الجزائر، فقد كانوا أصدقاء لوزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بوتفليقة الذي كان له دور في منحهم اللجوء السياسي بالجزائر، خاصة وأنهم شاركوا في ثورة التحرير الجزائرية كأطباء وعالجوا الكثير من المجاهدين الجرحى على الحدود الجزائرية التونسية.
غير أن النظام الجديد بقيادة حافظ الأسد لم يكن ينظر بعين الرضا لقبول الجزائر إيواء خصومه السياسيين لديها، لذلك حاول الاتصال بي عن طريق عقيد في المخابرات السورية يدعى غازي كنعان (وزير الداخلية الأسبق الذي يقال إنه مات منتحرا بسبب ورود اسمه في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري)، لأنه كان يعتقد بأنني أحضر أمرا ما ضد نظام بومدين، وربما كانوا حينها على استعداد لمناقشة تقديم دعم في هذا الخصوص للانتقام من بومدين الذي احتضن المعارضة السورية في الجزائر.
سمع غازي كنعان بأنني موجود في طنجة بالمغرب فطار إليها لعله يلقاني بها وكان ذلك في 1970، وسأل عني هناك ولكنه لم يجدن، ولكن آيت أحمد أخبرني عن طريق وسيط بأن هذا الضابط أرسله قائد أركان الجيش السوري المدعو أحمد سويداني لمقابلتي في الرباط ولكنه لم يجدن.
لقائي بالرئيس حافظ الأسد
في 1970 زرت لبنان في رحلة البحث عن موطئ قدم أستطيع أن أستقر فيه مع عائلتي، وفي مطعم صغير ببيروت جلست أتناول غدائي وكانت تقابلني في مائدة أخرى سيدة فرنسية، وبالصدفة جاءت وكلمتني وتعرفت عليّ وقدمت نفسها على أنها صحفية فرنسية، وتبادلنا أطراف الحديث ثم مشينا في الخارج قليلا، واكتشفت بأنها شقيقة سفير فرنسا في الهند، وأخبرتها عن رغبتي في السفر إلى سوريا، فقالت لي: أعرف العقيد غازي كنعان ويمكنني أن آخذك إليه لمساعدتك.
تبيّن لي لحظتها بأن هذه الصحفية تعمل أيضا في مجال الجوسسة، حيث كانت تعرف جيدا أين يمكن أن تجد العقيد غازي كنعان أحد ضباط المخابرات السورية البارزين والذي كان له مكتب في بيروت.
أخذتني هذه الصحفية الفرنسية إلى مكتب العقيد كنعان الذي قال لي: "سآخذك إلى دمشق.. الرئيس الأسد يريد رؤيتك"، ثم سألني إن كان لي أي تنظيم مسلح داخل الجزائر، فقلت له نافيا: "تركت كل شيء في الجزائر".
أقمت في فيلا بدمشق 20 يوما في انتظار مقابلة الرئيس الأسد، ووضعوا امرأة عجوزا في خدمتي، حيث كانت تقوم بشؤون المنزل وتحضر لي الطعام والشاي، كما كان العقيد كنعان يزورني يوميا ويأخذني في زيارة لمناطق سياحية بالعاصمة، إلى أن تم تحديد موعد مقابلتي للرئيس الأسد.
لم أكن أعرف في سوريا سوى الرئيس حافظ الأسد الذي التقيته في 1967 عندما كنت قائدا للأركان وكان هو وزيرا للدفاع، وخلال لقائي به مجددا كنت أرغب في أن أطلب منه سكنا لأقيم فيه مع عائلتي، ولكن حديثنا اقتصر حول ملابسات أزمتي مع بومدين وكذلك حول انقلابه على الرئيس الأتاسي، حيث زج بالسجن صالح الجديد وزعيم، ولكن الأسد كان جد متضايق من منح الجزائر للدكتور حداد وماخوس اللجوء السياسي، وسألني الأسد عن ماخوس، فقلت له: أعلم بأنه في الجزائر لكن ليس لدي تفاصيل عنه.
جرى لقائي بالرئيس حافظ الأسد في سرية تامة وسادته برودة قاتلة، فقد كان النظام الجديد في سوريا متخوفا من تأزيم العلاقة مع بومدين رغم استيائه لاستقبال خصومه اللدودين، وشعرت وكأن السوريين كانوا يخشون من أن تصل أخبار هذا اللقاء إلى سفير الجزائر بدمشق والذي من غرائب الصدف أنه كان أحد أصدقائي وكنت من اقترحه لهذا المنصب عندما كنت قائدا للأركان.
منحني السوريون نحو ألفي ليرة سورية، وعدت إلى بيروت أين التقيت بالصحفية الفرنسية مجددا، والتي تعاطفت معي وقررت مساعدتي كي أتمكن من إحضار أسرتي للإقامة في دمشق، حيث تنقلت مرارا بين بيروت ودمشق، ولكن رغم البرودة التي كانت تميز العلاقات بين نظامي بومدين والأسد إلا أن هذا الأخير لم يجرؤ على الدخول في أزمة ديبلوماسية مع الجزائر التي كانت تتمتع برصيد تاريخي كبير وهيبة بين الأمم بفضل الزخم الذي تركته ثورة الجزائر، ولحد الآن لم أفهم لماذا لم يساعدني حافظ الأسد هل تقديرا واحتراما للجزائر أم خوفا من بومدين، رغم أن إبراهيم ماخوس يتهم نظام الأسد بمحاولة اغتياله خمس مرات في الجزائر لكن هذه المحاولات باءت بالفشل بفضل الحماية الأمنية التي كانت توفرها له الجزائر.
القذافي أراد تحرير بن بله لكنه لم يجرؤ على تحدي بومدين
في الفاتح سبتمبر 1969 وصل العقيد معمر القذافي إلى السلطة في ليبيا بعد أن أطاح بالنظام الملكي السنوسي، وكان هذا الرجل يكنّ احتراما شديدا لأحمد بن بله، واتصل مبعوثو العقيد القذافي بأحمد محساس في باريس وسألوه عني، إذ أنهم كانوا يعتقدون بأنني بعد أزمتي مع بومدين ندمت لمساعدتي إياه في الإطاحة بأحمد بن بله فرغبوا في الاتصال بي لحاجة في أنفسهم.
والتقيت مجددا بمحساس في باريس (سنة 1972) وأخبرني أن السلطات الليبية تسأل عني، فقلت له: قضيتي الآن أين أضع بناتي.
ولم يطل بي المقام حتى عدت إلى بيروت ومنها توجهت إلى طرابلس واستأجرت غرفة في أحد الفنادق، ثم توجهت مباشرة إلى وزارة الداخلية الليبية، وقلت لهم: سمعت بأنكم تفتشون عني، وأعطيتهم عنوان الفندق الذي سأقيم فيه، وأبديت لهم رغبتي في مقابلة وزير الداخلية وقائد الثورة العقيد معمر القذافي.
جاءني وكيل وزارة الداخلية الليبية إلى الفندق وحاول أن يعرف وزني السياسي والعسكري في الجزائر وطبيعة علاقتي ببن بله وعن أزمتي مع بومدين، وقبل أن نفترق طرحت عليه رغبتي في الإقامة في ليبيا مع أسرتي، فقال لي: سنرى قائد ثورة الفاتح سبتمبر.. أعطنا رقم هاتفك حتى يمكننا أن نتصل بك لنبعث لك إعانة.
لم أكن من ذلك الصنف الذي يكذب أو يخادع للوصول إلى مآربه، وهذا ما جعل نظام ثورة الفاتح يرفض إقامتي في طرابلس لأنه لم ير أنني أمثل له ورقة ضغط يمكنه أن يلعب بها ضد نظام بومدين، كما أنني لم أكن صديقا لبن بله ولم أندم لتحالفي مع بومدين للإطاحة به لأن ذلك كانت له مسبباته التي شرحتها في هذا الكتاب، ويبدو أن العقيد القذافي كان يرغب في إيجاد طريقة ما لتحرير أحمد بن بله وإعادته إلى السلطة ولو بتشجيع العسكريين الجزائريين بالانقلاب على بومدين.
قبل أن أغادر ليبيا شدد علي مسؤولوها على ضرورة أن لا يسمع النظام الجزائري بأنهم استقبلوني في بلدهم، فطلبت منهم حينها أن يأتوني بتذاكر سفر إلى باريس فجاؤوا بها إلي دون إبطاء، وبدل أن يأخذوني إلى مطار طرابلس توجهوا بي في سيارة مرسيدس إلى مطار بنغازي البعيد عن العاصمة بأزيد من ألف كيلومتر وفي جو حار وليلا وفي شهر رمضان، خوفا من أن يكتشف رجال المخابرات الجزائريون المنتشرون في طرابلس تواجدي في ليبيا مما كان قد يسبب أزمة ما بين العقيد بومدين والعقيد القذافي هو في غنًى عنها.
لم نصل إلى مطار بنغازي إلا بعد بزوغ الفجر وفي حالة إجهاد شديدة بسبب طول الطريق، مما جعلني أشعر بالاستياء وأقسم بعدم العودة إلى هذا البلد، حتى أن سفيرا ليبيًا في الجزائر سألني بعد سنوات طويلة من عودتي من المنفى عن سبب عدم زيارتي لهم، فقلت له بشكل صريح "أنا لا أحب السلطات الليبية والسويسرية".
وفاة بومدين وصعود الشاذلي بن جديد
بعد وفاة بومدين في ديسمبر 1978، بانت لي تباشير الأمل في إمكانية العودة إلى الجزائر، فأرسلت أسرتي إلى أرض الوطن، وبقيت في باريس أنتظر إلى من ستؤول إليه مقاليد الأمور في البلاد، خاصة وأني سمعت كلاما حول إمكانية اختيار العقيد محمد الصالح يحياوي خلفا لبومدين بما أنه كان على رأس حزب جبهة التحرير الوطني، فلم أرد أن أضايقه بالدخول إلى الجزائر.
لكن ظهر اسم آخر منافس ليحياوي على رئاسة الجمهورية هو عبد العزيز بوتفليقة وزير الخارجية آنذاك المعروف بذكائه وحنكته، وكان بومدين يرسله للمهمات الصعبة.
وفي خضم هذا التنافس على الرئاسة ظهر اسم لم يخطر على بال إنه "العقيد الشاذلي بن جديد" الذي بدأ نضاله الثوري كضابط صغير في المنطقة الأولى (القالة) بالقاعدة الشرقية، معروف بكونه إنسان هادئ ومحبوب بين المجاهدين ولم يكن يتميز بالصرامة ولم تظهر عليه تطلعات للقيادة، وعندما تولى بومدين قيادة الأركان العامة في الثورة رقاه إلى رتبة أعلى في القيادة الشمالية للحدود الشرقية، وبعد الاستقلال وبالضبط في 1965 قام بومدين بترقية الشاذلي بن جديد مرة أخرى إلى رتبة رائد وكلفه بقيادة الناحية العسكرية الثانية (وهران).
العودة إلى أرض الوطن
شرع الشاذلي بن جديد في التحضير للمؤتمر الرابع للحزب، وفي نفس الوقت اجتمعت مع أبرز المعارضين في الخارج واقترحت عليهم أن ننشر الرسالة التي حررها محساس في 1976 في الصحافة والتي دعونا فيها إلى إعادة تنظيم مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني الذي نظمه بومدين في نفس السنة، كما اقترحت على محساس وأحمد قايد العودة إلى الجزائر للمشاركة في مؤتمر الحزب الذي قرر الشاذلي بن جديد عقده.
وبعد انعقاد مؤتمر الحزب الذي انتخب الشاذلي بن جديد أمينا عاما له، أرسلت رسالة إلى الشاذلي عبر الرائد أوسليمان الذي كان تحت قيادتي في الفيلق الثالث بالقاعدة الشرقية، ورسالة أخرى عبر العقيد عبد الله بلهوشات الذي كان مقربا من الرئيس الجديد، أكدت على أنني سأدخل الجزائر في الفاتح نوفمبر 1979 وإن أرادوا اعتقالي فليفعلوا وكتبت له فيها "أنت تعرف قضيتي جيدا وقد تركتك تنظم المؤتمر وتصبح رئيسا للدولة ولكني في أول نوفمبر سأدخل إلى الجزائر".
وبعد شهر من وفاة بومدين اُطلق سراح جماعتي خاصة المحكوم عليهم بالإعدام بعفو رئاسي من الشاذلي بن جديد الذي بعث لي الهادي لخذيري ـ الذي أصبح فيما بعد وزيرا للداخلية ـ لمحاولة ثنيي عن دخول الجزائر في هذا الظرف، كما أرسل لي مصطفى بلوصيف الذي عينه أمينا عاما لوزارة الدفاع وصهري العياشي حواسنية لإقناعي بعدم دخول الجزائر في الفاتح نوفمبر (عيد الثورة) لأن الشاذلي يحاول تهدئة الوضع.
وفي ديسمبر 1979 أصدر الشاذلي بن جديد عفوا رئاسيا عني وعن بن بله وأصبح يحق لي أن أدخل الجزائر بعد 13 سنة قضيتها ضائعا في المنفى وحكم غيابي بالإعدام يلاحقني، وعندما سمع مقلاتي وجماعته باعتزامي دخول الجزائر أواخر عام 1980 وجهوا دعوات للناس لاستقبالي في المطار، لكن الهادي لخذيري وزير الداخلية والعقيد بلهوشات رفضوا هذا الأمر وأرادوا أن يتم دخولي إلى الجزائر في هدوء وذلك بإيعاز من الشاذلي.
ووضعت قدمي على أرضية مطار الجزائر الدولي في نوفمبر 1980 وكان في استقبالي كل من الهادي لخذيري وقنيفذ وعبد الحميد سعايدي وعبد المجيد بوزيد، ثم زارني في البيت الذي أجرته أسرتي بعد طردها من مقر إقامتي منذ 1970 بعد خروجي إلى المنفى عدد كبير من الأصدقاء والرفاق والمسؤولين وإطارات في الدولة الذين هنأوني بالعودة سالما إلى أرض الوطن بعد نحو 13 سنة في المنفى الاضطراري.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
شمس الحق



عدد المساهمات : 35
نقاط : 3863
تاريخ التسجيل : 09/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: الحلقتين الأخيرتين من مذكرات الطاهر الزبيري   الجمعة 14 أكتوبر 2011, 12:24 pm

اشتمل الكتاب على تفاصيل هامة تعتبر ثروة هامة ورصيد ثمين للذاكرة الوطنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحلقتين الأخيرتين من مذكرات الطاهر الزبيري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ستارلاوز ********* STARLAWS Forum :: الأدب و الشعــــــــــــــر :: القصص و التراجم و الفروع الأخرى-
انتقل الى: