الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحلقة13و14 من مذكرات الطاهر الزبيري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شمس الحق



عدد المساهمات : 35
نقاط : 3863
تاريخ التسجيل : 09/10/2011

مُساهمةموضوع: الحلقة13و14 من مذكرات الطاهر الزبيري   الإثنين 10 أكتوبر 2011, 11:41 am

قررت الابتعاد عن الجزائر لإنهاء رحلة الخوف في الأوراس
قطعت حقولا من الألغام في الظلام وودعت الأرض الأخيرة
الحلقة الثالثة عشرة
في الحلقة السابقة تحدث العقيد زبيري عن تحصّنه بجبال الأوراس التي كان آخر قادتها خلال الثورة، في محاولة لإعادة تجميع أنصاره بعد معركة العفرون لمناطحة بومدين مجددا ولكنه اليوم يكشف لنا كيف أنهى تمرّده في الأوراس وقرّر مغادرة الجزائر إلى المنفى الاضطراري.
إنهاء التمرد
في أواخر شهر ماي 1968 وجدت أن معظم رجالي الأوفياء تم إلقاء القبض عليهم، وفقدت الاتصال بمن تبقّى منهم خارج الاعتقال، ونظرت من حولي فوجدت أن الأوراس كلها لم تعد على استعداد للتمرد على سلطة بومدين، وكل من كان له علاقة بي من قريب أو من بعيد إلا وتم اعتقاله وتعذيبه والتنكيل به أو على الأقل وضعه قريبا من الأعين محاصرا برعب لا يدري متى يأتيه زوار الليل ليقتادوه إلى المكان الذي لن يرى النور بعده.
أردت أن أخفف من عذاب هؤلاء الناس الذين ساعدوني وألقي القبض عليهم وعذبوا أشد العذاب لوقوفهم إلى جنبي في أحلك الظروف، كان لابد أن أنهي رحلة الخوف التي سكنت الأوراس وعمّت الكثير من أرجاء البلاد وتأذى الكثير من الناس من التحقيقات الأمنية والمساءلات البوليسية والتعذيب، ولإبعاد كل هذه الهموم قررت أن أغادر الجزائر وأنهي التمرد العسكري وأطوي صفحته، خاصة وأن الأمور بدأت تبرد، ولم تعد الصحافة تكتب شيئا عنا، ومطاردات رجال الدرك والأمن العسكري خفت قليلا.
وبما أن ذكرى استقلال تونس قد اقتربت أخبرت محمد شبيلة أنني أنوي اللجوء إلى تونس، لكنه أكد لي بأنه لم يعد يقوى على المشي، فقد تقرّحت أرجلنا من طول المشي في الجبال والمنخفضات حتى أدمت، ولم نعد نقدر حتى على ارتداء الأحذية من كثرة الجراح والتقرحات وصرنا نمشي لمسافات قصيرة وكأننا نمشي فوق السكاكين الحادة والمسامير المدببة أو الزجاج المهشم، وسبّب لنا ذلك آلاما شديدة لا يحتملها الإنسان، حتى الحمى صارت ضيفتنا دون دعوة، ولكن لم يكن بأيدينا خيار، فالوقوع بين أيدي رجال قاصدي مرباح وعطايلية ليس أرحم من كل هذه الجراح والآلام.
أخبرت محمد شبيلة أنني سأقترب من مدينة الونزة التي تبعد عنا بنحو 10 كيلومترات وأرسل إلى شقيقي الحاج بلقاسم من يطلب منه أن يشتري له بغلا ويوصله إليه في الدوار الذي يختبئ فيه ليلحق بي بالقرب من الحدود التونسية، ولم أكن أدري حينها أن شقيقي الحاج بلقاسم قد استقال من رئاسة بلدية الونزة.
وقبل أن أغادر بيت عمي السعيد بوخرشوفة أعطيته 300 دينار هي كل ما تبقى لدي من أربعة آلاف دينار، وأخذت من بيت عمي السعيد بعض المؤن حتى أتقوت بها في الطريق.
فقراء ولكنهم رجال
ثقتي كبيرة كانت في أبناء المنطقة لأنهم كانوا يحبّونني ويتعاطفون معي لأني ابن الناحية، وقد تمكنت من ربط الاتصال مع عمي السعيد بنور وهو كبير الدوار، فقلت له "أعرف المنطقة بشكل عام ولكني أريدك أن ترسل إلى خلاف بوخرشوفة ليوصلني إلى مدينة عين البيضاء (ولاية أم البواقي)"، لأن هذه المدينة يقطنها عرش الحراكتة الذي أنتمي إليه، والذي بإمكانه أن يوفر لي بعض الحماية إلى غاية وصولي إلى الحدود.
فأرسل عمي السعيد إلى خلاف وطلب منه أن يرافقني إلى عين البيضاء، ولم يجد خلاّف سوى الاستجابة لكبير الدوار الذي كان مجاهدا محترما وكلمته مسموعة بين أبناء الدوار، وطلبت من خلاف أن يصحبني ويدلني على الطريق بين مدينتي عين البيضاء وأم البواقي، وسرنا ليلا وذئاب الخوف تلاحقنا، فرجال الدرك والشرطة والأمن العسكري لم تتعب من مطاردتنا رغم مرور ستة أشهر على حركة 14 ديسمبر 1967، فالكل يريد أن يلقي عليّ القبض حيّا أو ميّتا ليتقرب برأسي من بومدين حتى يرفع قدره ورتبته العسكرية.
وبصعوبة بالغة وصلنا إلى منطقة شمال مدينة عين البيضاء بعد أن تجاوزنا إحدى الغابات وتراءت لنا مدينة عين البيضاء من بعيد، وحينها خارت قواي ولم أقدر على مواصلة المسير، رغم أني كنت أرتدي حذاء رياضيا إلا أن قدماي المثخنتين بالجراح والتقرحات لم تسعفانِ للسير أكثر على أرض وكأنها مغروسة بالسكاكين، أو أنها أرض غير تلك الأرض التي كناّ نسير فيها إبان الثورة في الليالي الماطرة والأيام الرامضة (الحارة) وقوات العدو الفرنسي تطاردنا من كل الجهات برا وجوا.. كنا نسير عشرات الكيلومترات في القاعدة الشرقية وفي الأوراس لتفقد وحدات جيش التحرير في مختلف المناطق والنواحي ونادرا ما نستعمل السيارات في التنقل، وبعد الاستقلال لم نعد نمشي كثيرا ولا نتنقل إلا في السيارات والطائرات وكأننا صرنا بورجوازيين وأصبحت أرجلنا وأيدينا المخشوشنة أكثر طراوة، فلم تسعفنا عندما تقلبت الظروف.
الحفاظ على سرية تحركاتنا كان الرهان الأهم لتفادي الاعتقال، لذلك تركزت تحركاتنا ليلا في المناطق التي نحظى فيها بتعاطف الناس ولا نتصل إلا بمن نثق في سريتهم، وفي عين البيضاء كنت أعرف مجاهدا من طينة الرجال الأفذاذ يدعى "سعيد 86" الذي كان بطلا مغوارا خلال حرب التحرير، كان يهاجم الدبابات الفرنسية دون أن يخشى الموت، وكنت على اتصال به هو و "مصطفى قاسمي" و"باكي البرجي" من مسكيانة عندما كنت مختبئا عند عمي السعيد بوخرشوفة.
المعزة المحدقة
في تلك الليلة جلست أسفل قنطرة صغيرة على الطريق الرابط بين عين البيضاء وسدراته (سوق اهراس)، وكنت مرهقا جدا وأردت أن أرتاح، فأخذتني سِنَةٌ من النعاس، فغفوت قليلا ولم أستيقظ إلا على صوت هدير إحدى السيارات التي عبرت القنطرة، ونظرت من حولي فإذا الصباح قد انبلج ولمحت شخصا يرعى قطيعا من الماشية غير بعيد عنّي، إلا أن معزة ابتعدت عن القطيع واقتربت مني ثم توقفت وأخذت تحدق بي باستغراب وكأنها لم ترَ من قبل "قائد أركان" نائما تحت قنطرة، وخشيت أن ينتبه الراعي إلى معزته "القاصية" فيأتي للبحث عنها ويكتشف أمري وقد يعرّض ذلك حياتي للخطر، فبادلت المعزة التحديق حتى انصرفت.
بقيت مختبئا تحت القنطرة إلى أن غربت الشمس، فنهضت لأواصل مسيري نحو الحدود التونسية، إلى أن بلغت أحد الأكواخ وكان هناك ثلاثة رجال جالسين حول نار موقدة بالحطب بالقرب من الكوخ، فناديت عليهم "يا سي محمد..."، فجاءني أحدهم، فأخبرته أني عابر سبيل، فسقوني وأطعموني رغم فقرهم المدقع الذي يظهر من خلال ملابسهم الرثة وكوخهم البسيط، إلا أنهم كانوا مشبعين بالكرم، ولأني كنت مرهقا سألتهم إن كان لديهم بغل أكتريه من عندهم، فأقسموا أنهم لا يملكونه، فتأسفت للأمر وواصلت طريقي وحرصت أن لا يعرفوا اتجاهي ولا مقصدي.
وصابرت نفسي على المسير، فكنت أمشي وأرتاح من حين لآخر حتى طلع النهار، وسرت على أحد المسالك الترابية حيث بدأ الناس يحصدون الشعير، ولمحت شخصا يسير من خلفي فأبطأت حتى اقترب مني، فسألته إن كان يمكنه أن يقدم لي رغيف خبز، فطلب مني أن أرافقه إلى أحد المنازل، وعندما دخلت عنده وجدت رجلا يدعى صالح المرواني أعرفه جيّدا لأن أحد أقاربه كان يسكن في قرية وادي الكبريت (بولاية سوق اهراس) التي ترعرعت فيها، وكان المرواني يزوره من حين لآخر، لكنه اليوم لم يتعرّف عليّ أو تظاهر بأنه لا يعرفني، كما أني لم أسعى لتذكيره، خاصة وأن الحمّى أرهقتني، فقدموا لي كسرة بالزبدة وجاؤوني بفنجان من القهوة التي كانت بقدرها في ذلك الوقت.
وأعطاني المرواني بغلا وأرسل معي شابا أبكما وأصما حتى يُرجع البغل معه بعد أن يوصلني إلى مقصدي، فركب من ورائي، وكنت أوجهه لأنه لم يكن يعلم إلى أين أنا ذاهب، فقد كنت أعرف هذه المنطقة جيدا لأنني اقتربت من قرية أم العظايم (بولاية سوق اهراس) التي ولدت فيها، ولم يكن يفصلني عنها سوى نحو 10 كيلومترات، ورغم أن هذا الشاب كان أبكما وأصما إلا أنه كان شديد الذكاء، فقد تمكن من التعرف على حقيقتي وكان يطلق إشارات توحي بذلك، رغم أني حرصت على تغيير شكلي بإطالة شاربي وارتداء القندورة ووضع اللحاف على رأسي حتى أصبحت أشبه أهل البادية.
لما بلغنا "وادي الهمازة" بالقرب من قرية أم العظايم وجدنا قطعانا من الماشية ترتوي من ماء الوادي قبل أن تعود إلى الزريبة لتحتمي من حرّ شمس الظهيرة، فنزلت من على ظهر البغل وقدمت للأبكم 20 دينارا ففرح بها أيّما فرح، ورجع عائدا إلى صاحبه، بينما قصدت الراعي الذي كان يسقي الماشية فسألته عن صاحبها فقال لي "إنها لصالح خلفاوي"، فوجئت لسماع هذا الإسم الذي لم يكن سوى أحد أقاربي، فقلت للراعي:
ـ قل له يأتيني... فأنا الطاهر.
فجاءني صالح خلفاوي خائفا يترقّب وقال لي:
ـ إن العسكر يتربّصون بك ليلا ليلقوا عليك القبض والكل يعرفونك جيّدا وعندما يكثر الكلام فإنه لابد أن يصل إلى آذان العسكر، لذلك أنصحك بأن تذهب عند ابن عمك محمد (ابن عمي شقيق) الذي لا يبعد من هنا سوى بكيلومترين اثنين أو ثلاثة.
كان صالح متزوجا من امرأتين وله أطفال كُثْرٌ وخشي أن يُخْرِج أحدهم سري، خاصة أن كلابه كانت تنبح كثيرا ليلا في الفترة الأخيرة، فاعتقد أن رجال بومدين يراقبون بيته، ويترصّدونه للإيقاع بي في كمين عنده.
ولما رأيت الخوف في عيون صالح تركته وغادرت المكان بعد أن دلّني إلى مكان ابن عمي محمد الذي كان الوحيد من عائلتنا الذي بقي في هذا الدوار يحرث الأرض بعد أن رحل جميع أفراد عائلة زبيري إلى القرى والمدن القريبة على غرار سدراتة وأم العظايم التي تحولت إلى بلدة بعد أن كانت مجرد دوار.
وصلت إلى بيت ابن عمي المتواضع والمعزول وحده ولاحظت أن لديه بعض الأغنام والماعز والأبقار، فكان وضعه المادي مقبولا إلى حد ما، وكنّا نادرا ما نلتقي رغم أنه جاءني مرة إلى قيادة الأركان وهو سعيد وفخور بي عندما كنت الرجل القوي في البلاد، وكنت أعطف عليه ومنحته بعض المال وأهديته سترة أنيقة أعجبته كثيرا.
لم أجد محمدا في البيت لكني وجدت شقيقه الذي كان أطرشا لا يسمع جيدا إلا أنه يتكلم فسألته عن محمد، فأخبرني أنه ليس في البيت، فطلبت منه أن يرسل في طلبه حالا، وجاءني محمد بسرعة، واستقبلني برحابة صدر رغم أن قضيتي صارت كارثة على آل زبيري وعلى العرش وعلى الأوراس وعلى كل من يعرفني في هذه البلاد بسبب المطاردات الشرسة لرجال بومدين لنا.
أكرمني ابن عمي وقدم لي غداءً من مرق البطاطا ثم جاءني بفنجان قهوة، وتبادلنا أطراف الحديث قبل أن أطلب منه أن يتدبر لي حصانا أو جدور (بغل)، لكنه لم يملك لا هذا ولا ذاك، إلا أنه أكد لي بأنه سيتدبر حصانا من عند صالح خلفاوي، وخرج قاصدا صالح بينما ارتحت في بيته قليلا، وجاءني بحصان خامل نوعا ما ولكنه يمشي على الأقل، وقبيل المغرب بقليل تحركت مع ابن عمي قاصدين بيوت الكواوشة الموجودة في الجنوب الشرقي لمدينة العوينات (ولاية تبسة).
حقول الموت
كنت راكبا الحصان وابن عمي يمشي ممسكا بلجامه ولم يكن يعرف أين تقع بالضبط بيوت الكواوشة ولكني كنت أعرفهم جيدا من أيام ثورة التحرير، حيث كان بيت الحاج عمار بغدوش مركزا لجيش التحرير الوطني بالمنطقة المعروفة بخط موريس المكهرب والمزروع بحقول من الألغام الموروثة عن العهد الاستعماري، حيث كانت مدينة العوينات شبه محاطة بالأسلاك الشائكة لتجتمع في خط رئيسي عندما تبتعد عن المدينة، وعلى بعد نحو 20 كيلومترا يوجد خط شال الأكثر شراسة والذي أوقع مئات الشهداء إبان حرب التحرير، بل إن المنطقة الحدودية مع تونس كانت مزروعة بملايين الألغام التي أوقعت الكثير من الضحايا حتى بعد الاستقلال وإلى يومنا هذا، فمجرد التفكير في عبور هذه المنطقة يعتبر مجازفة حقيقية خاصة عندما تتحرك ليلا دون معالم واضحة.
فضّلت السير على الطريق المعبّدة الرابط بين العوينات وتبسة بدل المغامرة في المشي وسط حقول الألغام، ولما بلغنا خط موريس الشائك وجدنا فجوة مررنا عبرها، إذ أنه بعد الاستقلال أخذ الناس الأسلاك الشائكة والأعمدة واستعملوها ولم يبق من الخط الشائك سوى الألغام، وقطعنا قنطرة كبيرة بنيت فوق وادي ملاق، ولحسن حظنا لم تمر أي سيارة من هذا الطريق ليلا، وتجاوزنا مدينة العوينات مبتعدين عن أطرافها، واتجهنا نحو "جبل القلب" القريب من مدينة العوينات.
كان الليل دامسا والرؤية شبه معدومة ولم نستطع تحديد موقعنا بالضبط، فذهبنا ورجعنا وصرنا ندور في دائرة شبه مفرغة في منطقة خطرة نصب فيها خط موريس المكهرب الذي لم يبق منه سوى الألغام التي لا يمكنك أن تراها ولو نهارا، وفي ظل هذا التيهان كنت أصغي السمع لعل نباح كلب يطرق باب أذني حتى يدلني على بيوت الكواوشة التي كنت متأكدا أنها غير بعيدة عنا.
سرنا قليلا باتجاه لا نعرفه إلى أن سترنا الله بنباح كلب أعاد لنا الأمل في تصحيح مسارنا، ومشينا باتجاه النباح إلى أن وصلنا أخيرا إلى بيوت الكواوشة، وكنت أعرف شخصين منهم جيدا وشقيقي بلقاسم، رحمه الله، يعرفهما أكثر، لأنه عمل معهما في منجم الحديد بالونزة، أحدهما يسمى "العيد" والثاني يسمى "محل العين السواق" ولقب بالسواق لأنه كان يرتاد الأسواق كثيرا ليشتري ويبيع.
عندما ناديت باسم "محل العين" كانت الشمس لم تسطع بعد أنوارها، والفجر ظل متشبثا بظلمة الليل، ومع ذلك خرج محل العين السواق من كوخه وصاح وكأنه يتعوذ من طارق الليل:
ـ شكون (من)؟
فقلت له:
ـ الطاهر زبيري.
فكانت مفاجأة بجلل لم يتوقعها محل العين السواق، رغم أنه سمع بأني تركت قيادة الأركان وصعدت الجبل، ورحّب بي أيّما ترحيب غير مبال بالمخاطر التي قد تواجهه بسبب استقباله لي، وكانت عيون الكواوشة تقطر فرحا وحبورا بوجودي بينهم، وأكرموني أشد الكرم وقدموا لي أعز ما يملكون من العسل والكسكس والزبدة، وأفطرت معهم بشكل جيد، أعاد الحيوية لجسدي المنهك ورفع معنوياتي المحبطة، وتحدثنا عن الوضع في البلاد وقضيتي مع بومدين، فقالوا لي والألم يعتصرهم:
ـ كنا نراك نوارة طالعة فإذا بهم حشوها..
وعمل حركة بيده أضحكتني، ثم أضاف بشيء من خيبة الأمل:
ـ أخذوها المعاليم.
وكانوا يقصدون في رأيهم البسيط والمتأثر بجغرافية المنطقة دوار القنانزة، الذين كانوا خصومهم في الأزمان القديمة.
وسألني الكواوشة عن المسلك الذي قطعته للوصول إليهم، فأخبرتهم عن المكان الذي قطعناه وكيف تُهنا ليلا قبل أن نهتدي إليهم من خلال نباح كلب، فضرب »محل العين« أخماسا على أسداس وقال لي بعد أن تخاطفته مشاعر القلق والارتياح:
ـ مساء أمس فقط قتلت الألغام حمارا وبقرة في نفس المكان الذي عبرت منه.
فحمدنا الله على النجاة والسلامة، وقبل أن أغادر أخبرت جماعة الكواوشة بأنني لن أبقى معهم وإنما أطلب منهم أن يبعثوا معي شخصا يوصلني عند عمار قدوش الذي كان بيته مركزا لجيش التحرير خلال الثورة بوادي بوسبعة شرقي جبل بوخضرة على الحدود التونسية.
وخشية أن يكتشف أحد الجيران أو عيون الأمن العسكري أمري، لجأ الكواوشة إلى حيلة لإخراجي من المكان دون أن يشعر بي أحد، فهيّأوا لنا بغلا وحمارين، ورافقني اثنان من أبنائهم في العشرينيات من عمرهما، وكانت بالقرب منّا غابة، فتحركنا وكأننا ذاهبون للاحتطاب منها.
سرت مع الشابين إلى جبل بوخضرة أين يقع منزل عمار بقدوش على الجانب الآخر من الجبل على بعد ستة كيلومترات، بينما عاد ابن عمي مع الحصان إلى الدوار، ولاحظ أحد الشابين طراوة يدي ونظافتهما، فطلب مني أن أخفيهما حتى لا يفتضح أمري، لأن أهل البادية معروفون باخشوشان أيديهم، أما الشاب الثاني فكلفته أن يأخذ رسالة إلى شقيقي الحاج بلقاسم في الونزة حتى يرسل إلى محمد شبيلة حصانا إلى دوار قنيف أين يقيم عمي السعيد بوخرشوفة ليلحق بي إلى تونس.
الأرض الأخيرة
كان الوقت عصرا عندما وصلنا أخيرا إلى بيت عمار بقدوش قبل دخول الأرض التونسية، وناديت عليه فخرج إليّ، وكان يعرفني جيّدا فطمأنته قائلا:
ـ لست هنا لأبقى معك ولكني سأغادر هذا المكان قبيل المغرب، وألغام خط شال بالقرب منكم ولكني أعرف جيدا أنكم تجتازون بقطعانكم حقول الألغام إلى الطرف الآخر من الأراضي الجزائرية القريبة من الحدود حتى ترعى أغنامكم في هذه المراعي، وأرغب في أن تساعدوني على اجتياز حقول الألغام بأمان.
فطمأنني عمار قائلا:
ـ سأرسل معك ابني حتى يساعدك على اجتياز حقول الألغام من خلال ثغرات معلومة من خط شال.
وبعد صلاة العصر جاؤوني بالعشاء، وأرسل بقدوش إلى ابن أخيه الذي يدعى أحمد حتى يكون مرافقي إلى ما وراء حقول الألغام، وقبيل المغرب انطلقت مع أحمد باتجاه خط شال واجتزته بسلام فيما عاد أحمد إلى بيته، واصلت الطريق منفردا إلى داخل الأراضي التونسية، بعيدا عن بومدين وقاصدي مرباح وعطايلية ورجال الأمن العسكري والدرك والشرطة، وبعيدا عن كل من يمكن أن تشترى ذمته ليقوم بالوشاية بي حتى يقبض علي. لكن، رغم ذلك فخوفي من المجهول بقي يطاردني حتى على الأراضي التونسية، لأنني وببساطة لم أخطط لذلك وكان هدفي هو الوصول إلى القيادة الجماعية وتطبيق ما تم الاتفاق عليه قبل التصحيح الثوري بالعودة إلى الشرعية وبناء الدولة التي حلم بها الآباء المفجرون للثورة (بن بولعيد وأصحابه).
المخابرات تعرض عليّ فتح قناة اتصال مع بومدين من لوزان
آيت أحمد يتوسّط لدى السويسريين لمنحي اللجوء السياسي
الحلقة: 14

بعد نجاته من حقول الألغام ومن مطاردات رجال الدرك والشرطة والأمن العسكري، تمكن العقيد الطاهر زبيري من دخول الأراضي التونسية، وسيروي لنا العقيد في هذه الحلقة تفاصيل لقائه بوزير الداخلية التونسي الباجي قايد السبسي (وزير الحكومة الحالي)، ثم سفّره إلى سويسرا بجواز سفر مزوّر.
إلى اللقاء يا جزائر
عندما وطئت قدماي التراب التونسي رميت جسدي المثقل بالهموم والأوجاع على حقل من الزرع وخلدت إلى نوم عميق إلى أن طلع الصباح، فاستيقظت وحملت بندقيتي ولكني انتبهت إلى أن الحرس الوطني التونسي لو ألقى عليّ القبض مسلحا فسأقع في مشكلة أخرى، لذلك رميت سلاحي بعيدا وسط الزرع وقلت في نفسي مودعا الأرض التي أحبّ:
إلى اللقاء يا جزائر.
وجدت أنه ليس من الحكمة أن أذهب مباشرة إلى المسؤولين التونسيين لطلب اللجوء السياسي، خاصة وأنني أعلم بوجود لاجئين سياسيين تونسيين في الجزائر، أمثال شوشان وطوبال وعباس وغيرهم، وخشيت أن يعتبرني نظام بورقيبة مشروع صفقة لتبادل المعارضين السياسيين مع نظام بومدين، لذلك كنت أفضل التريث.
وقصدت بلدة "قلعة لسنان" التونسية أين يقيم تاجر جزائري يدعى "الطاهر دبز" عم "لخضر دبز" الذي كان في اتصال معي عندما كنت عند عمي السعيد بوخرشوفة، إذ أنني لم أكن أحمل مالا كافيا لأخذ سيارة أجرة تقلني مباشرة إلى مدينة "بن قردان" على الحدود التونسية الليبية، حتى أتمكن من دخول الأراضي الليبية لأتفادى أي نية لمقايضتي بالمعارضين التونسيين في الجزائر، واعتقدت أن الطاهر دبز الذي يملك متجرا في هذه القرية بإمكانه أن يساعدني على استئجار سيارة.
لم أكن أعرف بالضبط أين يقيم الطاهر دبز، لذلك سألت عنه تجار القرية واحدا واحدا إلى أن وجدت شخصا يعرفه، ولكنه نقل لي خبرا خيّب أملي، فقد أكد لي أن الطاهر باع أملاكه في تونس وعاد إلى الجزائر، صعقت للخبر ووجدت أنه لم يعد لي خيار سوى الاتصال بالسلطات التونسية، لكن قبل ذلك كان لا بد عليّ أن أتخلص من زيّ الفلاحين التنكري الذي يصعب على الآخرين التعرف عليّ، فذهبت إلى الحلاق بعدما تبقى لدي بعض الدنانير التي تكفي لحلق رأسي وذقني، وقبل أن أغادر محل الحلاق نزعت الشاش والقشابية وتركتهما عنده وقلت له:
ـ سآتي بعد قليل لأخذهما.
توجهت مباشرة إلى المعتمد التونسي (رئيس دائرة) في قلعة لسنان التابعة لولاية الكاف البعيدة عني، وقدمت نفسي لحارس الدائرة:
ـ أنا العقيد الطاهر زبيري.. أريد أن أقابل المعتمد.
وبسرعة ذهب الحرس لإبلاغ المعتمد بهذا النبأ غير المتوقع، ولم يتأخر المعتمد حتى جاءني، واستقبلني باحترام، وأوضحت له بشكل واضح ومختصر، أنني "جئت لأطلب اللجوء السياسي من الحكومة التونسية"، فأبلغ المعتمد والي الكاف الذي طلب منه أن يأتوا بي إليه حالا.
وجاء الحرس الوطني التونسي بسياراتهم وأخذوني معهم إلى مدينة الكاف لمقابلة الوالي الذي أخبر بدوره وزير الداخلية "باجي قايد السبسي" بالأمر، ولم أعد إلى الحلاق لأخذ قشابيتي ولحافي (الشاش)، بل واصلت طريقي إلى مدينة الكاف، ومنها إلى العاصمة تونس بعد أن أمر وزير الداخلية التونسي بإحضاري إليه لمقابلتي.
في طريقنا إلى العاصمة تونس طلبت من الحرس الوطني أن يتوقف بي في أقرب مدينة قبل الدخول إلى العاصمة، لأني كنت أرغب في شراء ملابس مناسبة لمقابلة وزير الداخلية، خاصة وأن الملابس التي أرتديها كانت رثة، فتوقفنا في مدينة "مزاز الباب" التي تبعد بنحو 30 كيلومترا عن مدينة الكاف، واشتريت بذلة جديدة ولو أنها رخيصة الثمن وقميصا وحذاء، وعندما أردت أن أدفع ثمنها أصرّ الحرس الوطني التونسي على أن يدفعوا ثمنها من مالهم الخاص كرماً منهم.
أكملنا الطريق إلى وزارة الداخلية ولما وصلنا وجدت المدير العام للأمن الوطني التونسي ويسمى "الطاهر بلخوجة" في استقبالي، ثم قابلت وزير الداخلية باجي قايد السبسي (عيّن رئيسا للحكومة التونسية المؤقتة في فيفري 2011) وتبادلنا أطراف الحديث عن قضيتي مع بومدين وكيف قذفت بي الأقدار إلى تونس، وكنت حريصا في كلامي على أن أتفادى أيّ كلام عن الدكتاتورية حتى لا يحمل كلامي على أن فيه إشارة إلى الرئيس بورقيبة الذي كان زعيما تونسيا له سطوته في البلاد، وقلت له:
ـ أطحنا بالرئيس بن بله من أجل مبادئ معينة لكن بومدين وقع في نفس أخطاء بن بله فلم نتفق معه...
فسألني باجي قايد السبسي:
ـ هل مازال هناك أفراد من جماعتك في الجبال ولم يدخلوا الأراضي التونسية؟
ـ مازال هناك نحو أربعين نفرا في الجبال، من الممكن أن يأتوا إلى هنا وربما يغادرون إلى مكان آخر، ومنهم واحد اسمه محمد شبيلة أرجو أن تسمحوا له باللحاق بي إلى هنا... وأنا جئت لأطلب اللجوء السياسي من الحكومة التونسية ولن أمارس أي نشاط سياسي على التراب التونسي.
ـ هل تريد أن نبلغ الرأي العام بأنك موجود على التراب التونسي
ـ هذا الأمر يعود لتقديركم.
ـ سأذهب لأبلغ المجاهد الأكبر (يقصد بورقيبة)، ثم أعود لك بالجواب.
هيّأت لي الحكومة التونسية منزلا في مزرعة خارج العاصمة تونس، وأصدرت بيانا أكدت فيه أن "العقيد الطاهر زبيري موجود على التراب التونسي وتعهّد بأن لا يقوم بأيّ نشاط سياسي فوق كامل تراب الجمهورية التونسية"، وكانت الإذاعة التونسية أول من أذاع الخبر ثم تلاها التلفزيون التونسي، ونشرته في الغد الصحف التونسية.
بومدين يحتج على بورقيبة
عبد المالك بن حبيلس، سفير الجزائر بتونس، كان أحد أصدقائي، لكن منصبه الدبلوماسي كان يلزمه بتنفيذ أوامر وزارة الخارجية التي طلبت منه تبليغ الرئيس التونسي احتجاج السلطات الجزائرية الرسمي على قبولهم لجوئي السياسي لديهم، وفعلا بعد يوم واحد من إذاعة البيان على الإذاعة التونسية، توجه عبد المالك بن حبيلس إلى قصر الرئاسة وقابل الرئيس لحبيب بورقيبة وأبلغه احتجاجا شديد اللهجة للحكومة الجزائرية بعد قبول تونس لجوئي السياسي عندهم، معتبرة ذلك لا يساعد على حسن الجوار ولا على توطيد العلاقات بين البلدين الشقيقين والجارين.
ردّ الرئيس التونسي لحبيب بورقيبة كان غاية في البساطة والواقعية وفيه شيء من الطرافة السياسية حيث قال:
ـ مسؤولو الثورة الجزائرية كلهم مرّوا من تونس ولو لم يأتِ الطاهر زبيري لجاء بومدين.
وكان يقصد أنه لو نجحت في تنحية بومدين لكان على استعداد لقبول لجوئه السياسي في تونس مثلما يفعل الآن معي.
شبيلة يلتحق بي
بعد يومين أو ثلاثة التحق بي محمد شبيلة، وساعده السعيد 86 في الوصول إلى تونس وتجاوز به كل العقبات، حيث أخذه في سيارة وأوصله إلى الحدود، وتولّى الحرس الوطني التونسي إيصاله إلى مكان إقامتي بضواحي تونس.
وأقمنا لقرابة شهر في ذلك المنزل في ضواحي العاصمة، ووضعت السلطات التونسية حولنا حراسة مشددة خشية أن يرسل بومدين كومندوسا لاغتيالنا، ولم نكن نتصل بأي شخص في تلك الفترة.
وقد أعطانا وزير الداخلية باجي قايد السبسي 5 ملايين دينار تونسي لتغطية مصاريفنا اليومية، حيث كانوا يخرجوننا أحيانا للتنزّه، وكنا نذهب معهم إلى المطاعم للغداء أو العشاء، كما أخذونا إلى فندق في الشارع الرئيسي للعاصمة التونسية، حيث كنت أقيم رفقة شبيلة في غرفة واحدة وفي الغرفة الثانية يقيم ثلاثة أفراد من الشرطة المكلفين بحماية أمننا الشخصي.
سويسرا.. السفر نحو المجهول
ورغم أننا تخلّصنا شيئا فشيئا من الإرهاق والتعب والمرض، إلا أننا كنا ننظر بأن قضيتنا لم تنته، مادام هناك عدد من رجالنا وإخواننا في السجون مهددين في أي لحظة بالإعدام، لكني في تونس كنت شبه مقيد خاصة وأنني التزمت بعدم القيام بأي نشاط سياسي على التراب التونسي.
قررت مغادرة تونس إلى فضاء آخر، وطلبت من السلطات التونسية السماح لي بالسفر إلى مدينة جنيف السويسرية، فلم تعترض، وسافرت بجواز سفر مزوّر كنت قد طلبت من رئيس دائرة تبسة ويدعى عبد الجليل في تلك الأيام الصعبة إعداده لي لاستعماله في وقت الحاجة، وكان اسمي المستعار هو "الطاهر بن علي"، ورغم أني كنت أحمل جواز سفر دبلوماسي لكني لم أستعمله.
وبدل أن أسافر إلى مدينة جنيف غيّرت وجهتي إلى مدينة زيوريخ السويسرية، لما علمت أن الطائرة التي ستقلني إلى جنيف ستواصل بعد ذلك طريقها إلى مطار زيوريخ في شمال سويسرا، فقد كنت أخشى أن تكون المخابرات الجزائرية في انتظارنا في جنيف وتكتشف أيضا رئيس الدائرة الذي أصدر لنا جواز السفر المزوّر، فذهبت إلى قائد الطائرة وقلت له إننا اشترينا تذكرة إلى جنيف ولكننا نريد الذهاب إلى زيوريخ، فقال لنا: لا بأس، فقط عندما نصل إلى جنيف فلا تنزلوا لأننا سنكمل طريقنا إلى زيوريخ.
وفور مغادرتي أراضيها عبر الطائرة أصدرت السلطات التونسية بيانا أعلنت فيه "مغادرة الطاهر زبيري أرضي الجمهورية التونسية في اتجاه مجهول قد يكون سويسرا".
نزلنا في مطار زيوريخ وأحسسنا لحظتها بأننا أحرار، فسويسرا كانت دوما في نظرنا أرض الحرية، وبعد استكمال بقية الإجراءات في المطار ركبنا سيارة أجرة أخذتنا إلى فندق صغير في المدينة تغذينا فيه وارتحنا به أياما وليالي، وكنا عادة ما نغير مكان إقامتنا من فندق إلى آخر، وعادة ما نختار الفنادق الصغيرة في القرى الجبلية البعيدة عن المدن الكبرى أين يكثر السياح الذي يهوون ممارسة رياضة التزلج على الثلج، ورغم أن الأمن السويسري كان في طلبنا بعد أن دلّهم علينا البيان الذي أصدرته السلطات التونسية، إلا أنهم لم يعثروا علينا لأننا كنا ننزل في الفنادق السويسرية بهوية مستعارة.
لقاء آيت أحمد بلوزان
كان لنا صديق عزيز يسمى عبد المجيد بن غزال وكان إلى جانبنا في حركة 14 ديسمبر 1967، ولكنه تمكن من الهرب من العاصمة إلى قسنطينة عبر القطار ومنها إلى تونس فسويسرا، واستقر هناك بسهولة لأنه كان متزوجا بامرأة سويسرية وأنجب أطفالا منها، إذ سبق له أن درس وعمل بها، لذلك كان يعرف جيدا هذا البلد الأوروبي ولم يمكث طويلا حتى وجد عملا بها كطبيب.
وكنا نسعى للاتصال به لمساعدتنا في الحصول على اللجوء السياسي، خاصة وأننا كنا نعتقد أن مساحة الحريات في سويسرا أكبر من أي بلد آخر، وأننا لن نواجه مشاكل في هذا الشأن، فذهبنا إلى مستشفى "إيغل" بمدينة "مونترو" السويسرية أين يعمل عبد المجيد بن غزال، والتقينا به هناك وبعد أن تبادلنا التحية خرجنا من المستشفى وجلسنا بأحد المقاهي القريبة.
أخبرني الدكتور بن غزال أن حسين آيت أحمد يريد مقابلتي، وذكرني بأنه سبق وأن أرسل إليّ بمبعوث له إلى تونس ويدعى عبد الحفيظ ياحا، أحد مناضلي جبهة القوى الاشتراكية، ولم أمانع على لقائه، فقد كان آيت أحمد يحظى باللجوء السياسي في سويسرا بعد هروبه من السجن لأن قضيته مدنية وليست معقدة وحساسة كما هو الأمر بالنسبة لي.
رتب الدكتور عبد المجيد بن غزال لقائي بآيت أحمد بأحد المطاعم في مدينة لوزان أين التقينا وتحدثنا مليا عن الوضع الداخلي للجزائر، وكان آيت أحمد جد مستاء من سياسة بومدين التي وصفها بالديكتاتورية وأنه أصبح متحكما في الجيش وبزمام السلطة أكثر من أي وقت مضى.
وسألت آيت أحمد، كيف يمكنني أن أسوّي وضعيتي في سويسرا، فشجعني على الاتصال بالسلطات السويسرية وطلب اللجوء السياسي وقال لي:
ـ يجب أن تبلغهم فلست أي شخص كان.
ـ إذن أخبرهم أنت، لأني أغير اسمي حتى لا تطلع المخابرات الجزائرية على هويتي الحقيقية.
وأخبر آيت أحمد السلطات الأمنية في سويسرا بوجودي على أراضيها ورغبتي في الحصول على اللجوء السياسي، فجاءت الشرطة السويسرية تفتش عني فلم تجدني، لأني كنت أتنقل كثيرا وأحاول أن لا أترك أي أثر يمكن المخابرات الجزائرية من الوصول إلي.
المخابرات الجزائرية تتمكن من الوصول إليّ
وكانت المخابرات الجزائرية تتعقّبني فعلا في الخارج، وأرسلوا إلى سويسرا من يراقب تحرّكاتي، فقد كان رجال المخابرات من الضباط الصغار يرون أن بومدين لم يسيطر فقط على الحكم، بل هو الثورة وهو الجزائر وهو التاريخ وكل شيء، وكان حينها رشيد آيت مصباح مسؤولا للمخابرات الجزائرية في سويسرا، وكان بشكل أو بآخر مشرفا على تعقبي.
وحتى يتمكنوا من الوصول إليّ بسهولة قاموا بغرس ضابط في المخابرات يدعى حمودي بوزيدي كان يعمل معنا في الجيش تحت مسؤولية رئيس الأمن العسكري قاصدي مرباح، وجاءني مرة إلى قيادة الأركان من أجل تحويله إلى الجمارك، وتدخلت شخصيا من أجل تلبية رغبته وكان له ما أراد، وبعد وقوع أزمتي مع بومدين، كان إلى جانبي ضمن فيلق النقيب قارة وألقي عليه القبض وعندما مرض نقل إلى المستشفى لكنه تمكن من الفرار، واتصل بالدكتور عبد المجيد بن غزال لأنه كان متأكدا بأنه على علاقة وطيدة بي، وهو الخيط الذي يمكن للمخابرات الجزائرية أن يوصلها إليّ في سويسرا بعد أن أرسلوه في البداية إلى ليبيا.
واستطاع حمودي بوزيدي أن يقنع عبد المجيد بن غزال بأنه من أشد المخلصين لي، وطلب منه أن يرتب له لقاء معي، واتصل بي الدكتور عبد المجيد وحدثني عن حمودي ورغم أني لم أكن أثق في روايته، إذ ليس من السهل الهروب من المستشفى في حالة مثل حالته، ومع ذلك وافقت على لقائه في مقهى بلوزان وأخبرني أمورا خطيرة تكشف علاقته المتينة بالمخابرات الجزائرية:
ـ الجيش منقسم، وبومدين يريد أن يتصالح معك، وقد أرسل الرائد أحمد عبد الغني (قائد ناحية عسكرية) للاتصال بك وهو الآن في فرنسا وعلى اتصال مع آيت مصباح بسويسرا وهذا الأخير يرغب في رؤيتك.
لم أكن أثق في رجال المخابرات وأعرف جيّدا أساليبهم في المناورة، لذلك رفضت أي اتصال مباشر بآيت مصباح الذي لجأ إلى هذه الحيلة لجس النبض والتعرف على ما يدور في رأسي، وفيما أفكر، وماذا أنوي أن أفعل، أما الرائد عبد الغني فلم تكن تربطني به علاقة متينة رغم أنه كان يحترمني، ومع ذلك لم أكن مطمئنا للقائه، فقلت لحمودي:
ـ أمر بسيط، إذا كان بومدين يرغب فعلا في التصالح معي فليبعث بالرائدين يحياوي وبن سالم لأتحدث معهما، فأنا لا أثق إلا في هذين الرجلين، ولا مانع لدي إذا أراد أن يرسل معهما الرائد زرقيني إن أراد ذلك.
وحتى أتأكد من نواياهم قلت لحمودي:
ـ سيذهب محمد شبيلة ليرى آيت مصباح.
ولما أرادنا أن نفترق، طلب مني حمودي أن يرافقنا فقلت له بشكل حازم:
ـ لا، نحن اثنين ونواجه صعوبات في التكفل بأنفسنا.
كنت أريد أن أبعده عنا، لأنني شككت في أمره، وتأكدت بعدها أنه ليس سوى ضابط يتلقى أوامره من المخابرات الجزائرية، حيث وصلتني معلومات مؤكدة من مصادر أثق فيها تشدد على ضرورة أخذي كامل الحذر من حمودي لأنه مبعوث الأمن العسكري.
التقى شبيلة مع آيت مصباح وتبادلا النقاش، ولما عاد أكد لي أن آيت مصباح ليس جادا في فتح قناة اتصال معنا بقدر ما يسعى لأخذ معلومات حول مطالبنا والأشخاص الذين نحن في اتصال معهم، وعلاقتنا بالمعارضة وماذا نفعل وماذا نخطط، وكل ما كان يهمه هو إرسال تقرير مفصل عن تحركاتنا لقاصدي مرباح، لكن محمد شبيلة كان من الذكاء والثقافة بحيث لا يخشى جانبه، فقد كان أكثر من صديق...

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحلقة13و14 من مذكرات الطاهر الزبيري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ستارلاوز ********* STARLAWS Forum :: الأدب و الشعــــــــــــــر :: القصص و التراجم و الفروع الأخرى-
انتقل الى: