الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الحلقة الحادية عشرة و الثانية عشرة من مذكرات الطاهر الزبيري

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
شمس الحق



عدد المساهمات : 35
نقاط : 3855
تاريخ التسجيل : 09/10/2011

مُساهمةموضوع: الحلقة الحادية عشرة و الثانية عشرة من مذكرات الطاهر الزبيري   الإثنين 10 أكتوبر 2011, 11:23 am

دبابة و1500 مقاتل يزحفون نحو البليدة وقوات بومدين لم تكن قوية
بومدين أمر سعيد عبيد بضرب قواتنا..لكنه رفض وانتحر
الحلقة‭ ‬الحادية‭ ‬عشرة‬

سد‭ ‬جسر‭ ‬بورومي‭ ‬وقصف‭ ‬الطيران‭ ‬لقواتنا‭ ‬حسم‭ ‬المعركة‭ ‬لصالح‭ ‬بومدين‭

‬لا نبالغ إن كانت هذه الحلقة تمثل أكثر الحلقات طلبا من القراء قبل صدورها، لأن العقيد الطاهر زبيري يحكي بالتفصيل كيف حدثت المواجهة المسلحة بين فيالقه وقوات بومدين، ويوضح أسباب عدم نجاح ما عرف "بمحاولة الانقلاب على بومدين" والتي يسميها زبيري "حركة 14 ديسمبر‭ 1967‮".‬

عبيد‭ ‬رفض‭ ‬قتالنا‭ ‬‮"‬فانتحر‮"‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬غامضة
‭ ‬عندما‭ ‬شرعت‭ ‬فيالقنا‭ ‬التابعة‭ ‬للناحية‭ ‬العسكرية‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬التقدم‭ ‬نحو‭ ‬البليدة،‭ ‬اتصل‭ ‬بومدين‭ ‬بقائد‭ ‬الناحية‭ ‬العسكرية‭ ‬الأولى،‭ ‬السعيد‭ ‬عبيد،‭ ‬هاتفيا‭ ‬وقال‭ ‬له‭ ‬بصوت‭ ‬ساخط‭ ‬وزاجر‭:‬
‭ ‬ـ‭ ‬كيف‭ ‬تتحرك‭ ‬الفيالق‭ ‬متمردة‭ ‬علينا‭ ‬ولا‭ ‬تبعث‭ ‬فيالق‭ ‬لصدّها‭.‬
فرد‭ ‬السعيد‭ ‬عبيد‭ ‬مبرّرا‭ ‬موقفه‭:‬
‭‬ـ‭ ‬أعطيت‭ ‬الأمر‭ ‬للفيالق‭ ‬‮(‬المتمردة‮)‬‭ ‬للبقاء‭ ‬في‭ ‬أماكنها‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تنفذ‭ ‬أوامري،‭ ‬فكيف‭ ‬أبعث‭ ‬بالجيش‭ ‬ليقاتل‭ ‬بعضه‭ ‬بعضا‭.‬
وأضاف‭ ‬محاولا‭ ‬إقناع‭ ‬بومدين‭ ‬تجنيب‭ ‬الجيش‭ ‬الانقسام‭ ‬والاقتتال‭:‬
‭ ‬ـ‭ ‬حبذا‭ ‬لو‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬آخر‭.‬
كاد‭ ‬بومدين‭ ‬يصاب‭ ‬بالجنون‭ ‬وهو‭ ‬يسمع‭ ‬عن‭ ‬‮"‬حل‭ ‬آخر‮"‭ ‬وهو‭ ‬يري‭ ‬هيبته‭ ‬وسلطته‭ ‬ومستقبله‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭ ‬على‭ ‬المحك،‭ ‬فرد‭ ‬على‭ ‬السعيد‭ ‬عبيد‭ ‬بحدة‭:‬
‭ ‬ـ‭ ‬أنت‭ ‬مسؤول‭ ‬ناحية‭ ‬‮"‬ولَّ‭ ‬ز‭.‬م‭.‬ر‮"‭.‬
وأقفل في وجهه الخط، ولم يطل الأمر حتى أرسل بومدين اثنين من أكفأ "الضباط الفارين من الجيش الفرنسي" لتولي قيادة الناحية العسكرية الأولى بدلا من السعيد عبيد للتصدي لقواتنا، وكان الأمر يتعلق بكل من الرائدين زرقيني وهوفمان.
وفي فجر يوم 15 ديسمبر 1967 سمعنا بانتحار الرائد السعيد عبيد، دون أن نتأكد من حقيقة ما حصل بالضبط، رغم أنني استغربت الأمر، فمن خلال معرفتي الدقيقة بشخصية السعيد عبيد وتشبثه بالحياة وبطموحه القوي لا يمكنني في الظروف العادية أن أخلص إلى أنه يمكن أن ينتحر.
المواجهة‭ ‬الحاسمة‭ ‬في‭ ‬العفرون‭: ‬
جو بارد وأمطار غزيرة وسحب داكنة تنذر باقتراب المواجهة في ذلك الشتاء الرمضاني القاسي، عندما وصلت أولى فلول القوات الموالية لنا إلى جسر بورومي على الساعة الثانية من فجر يوم الخميس 14 ديسمبر 1967، وكان الفيلق الميكانيكي للملازم عبد السلام مباركية القادم من مدينة مليانة بعين الدفلى أول الواصلين تلاه الفيلق المدرع للنقيب العياشي حواسنية القادم من الشلف وكان فيلق المشاة بقيادة النقيب معمر قارة القادم من المدية آخر الواصلين بعد أن أخذ طريقا طويلة عبر مليانة ثم العفرون ولم يصل إلا بعد أن أشرقت الشمس في حدود الساعة‭ ‬السادسة‭ ‬والنصف‭ ‬صباحا‭.‬
كان فجرا حالك الظلام والسماء تمطر بغزارة ومياه الوادي تتدفق بقوة، والأرض من حول جسر بورومي كلها فلاحية حولتها الأمطار إلى كتلة كبيرة من الأوحال التي تغوص فيها أرجل الراجلين وتعلق فيها عجلات السيارات ويصعب السير فيها حتى على الآليات المجنزرة، لكن الآتي أعظم‭.‬
تجمعت الفيالق الثلاثة ما بين مدينة العفرون غربا وجسر بورومي شرقا وكانت تضم نحو 1500 مقاتل ونحو 30 دبابة وعربة مدرعة، وعندما أرادت قواتنا تجاوز الجسر فوجئت بتكدس السيارات والشاحنات المدنية على طوله كسدادة ميكانيكية بشكل يستحيل على قواتنا تجاوزه، خاصة وأن قوات الدرك والوحدات العسكرية الموالية لبومدين بقيادة كل من زرقيني وهوفمان كانت متربصة بنا على الطرف الآخر من الجسر، ولم يكن بالإمكان عبور وادي بورومي الهادر بمياه الأمطار ولا اختراق كتل الوحل التي شكلت عائقا طبيعيا آخر أمام تقدمنا.
كنا في وضعية حرجة لا نحسد عليها، ولم نكن نتوقع أن يلجأ بومدين إلى هذا التكتيك لمجابهتنا، وحينها طلب زرقيني مقابلة الرائد عمار ملاح فوافق هذا الأخير معتقدا أنه سيقابل الرائد السعيد عبيد لكنه عندما قابل أحد الضباط الفارين من الجيش الفرنسي رفض أي حديث معه وقال‭ ‬له‭ ‬كلاما‭ ‬قاسيا،‭ ‬ورد‭ ‬عليه‭ ‬الآخر‭ ‬بالمثل‭.‬
لم يكن يفصلنا عن مدينة البليدة سوى 10 كيلومترات فقط، وقوات بومدين لم تكن كبيرة حينها، إلا أن السيارات والشاحنات المكدسة على الجسر جعلتنا في حيرة من أمرنا بعدما فشلت كل المحاولات لتجاوز الجسر، ورغم حدوث اشتباكات مع الجيش النظامي الموالي لبومدين إلا أنها كانت‭ ‬مواجهات‭ ‬محدودة‭.‬
كتائب المشاة الموالية لنا كان بإمكانها بسهولة العبور إلى الطرف الآخر من الوادي والتقدم إلى البليدة لكن ذلك لم يكن ممكنا بدون مرافقة الدبابات والمدرعات لهم من أجل إسنادهم من الخلف، لذلك بقيت قوات المشاة قريبة من الفيلق المدرع على مسافة لا تتجاوز ربع ساعة مشيا‭ ‬على‭ ‬الأقدام‭.‬
أما قوات بومدين فكانت من الشباب الحديث التجنيد أو ما يسمون بالمارسيين الذين التحقوا بجيش التحرير بكثافة بعد إعلان وقف إطلاق النار مع الجيش الفرنسي في 19 مارس 1962 بالإضافة إلى قوات الدرك الوطني، بينما كان معظم رجالنا من المجاهدين الذين عركتهم حرب التحرير طيلة سنوات، مما دفعنا إلى ترك قوات احتياطية في مدينة العفرون ولم نشركها في هذه الاشتباكات لعدم الحاجة إليها، وعلى سبيل المثال ففيلق المشاة الذي كان يضم أربع كتائب من بينها كتيبة إسناد مدفعي لم تشترك في القتال سوى الكتيبة الأولى فقط، وبقيت ثلاث كتائب خارج دائرة‭ ‬المعركة‭. ‬
طيارون‭ ‬روس‭ ‬يدخلون‭ ‬المعركة‭ ‬
بعد ساعات من الاشتباكات اتسعت رقعة المواجهات لتشمل كامل المنطقة الممتدة من موزاية غربا إلى غاية العفرون شرقا، واستعملت في هذه المواجهات الأسلحة الخفيفة والثقيلة وتبادل الطرفان النار والقصف بالقذائف، بشكل متوازن دون أن تتمكن قوات بومدين من السيطرة على الأماكن‭ ‬التي‭ ‬كنا‭ ‬متمركزين‭ ‬فيها‭ ‬رغم‭ ‬تدفق‭ ‬الدعم‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الجهات‭. ‬
وعلى الساعة العاشرة صباحا وبعد ساعات من المواجهات البرية تدخلت طائرات سوفياتية الصنع من نوع "ميغ15" و"ميغ17" يقودها طيارون روس كانوا مكلفين بتدريب الطيارين الجزائريين وقاموا بقصف قواتنا بشكل عشوائي إلى درجة أنهم أصابوا مدنيين وحتى القوات الموالية لبومدين تعرّضت للقصف عن طريق الخطإ، وأدى تدخل سلاح الطيران لترجيح الكفة لصالح القوات الموالية لبومدين، ومع ذلك استبسلت قواتنا في القتال، فقد كان رجالنا متعودين على التعامل مع الطيران المعادي خلال حرب التحرير حيث لم يصب أي جندي من المشاة، إلا أن الضرر الأكبر وقع على‭ ‬الفيلق‭ ‬المدرع،‭ ‬حيث‭ ‬دمرت‭ ‬9‭ ‬دبابات‭ ‬وقتل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬جنودنا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المواجهات‭.‬
وفي المساء اشتد القتال وأصبح أكثر ضراوة، خاصة مع تدخل القوات المحمولة جوا، والتي كانت طائرات الهيلكوبتر تنقلها إلى ميدان المعركة، سمعنا أنها من القوات الخاصة في دلس حيث هاجمتنا من الجنوب الشرقي، وتلاحمت قواتهم معنا في الغابة الواقعة بين العفرون وموزاية والتي‭ ‬تتميز‭ ‬بطابعها‭ ‬الجبلي‭ ‬الوعر‭. ‬
وبعد أن أسدل الليل ستاره توقفت المعارك وتراجعت قواتنا إلى ضواحي مدينة العفرون، فتوجهت ليلا إلى العفرون رفقة سائقي المخلص ومعنا لخضر بورقعة عبر طرق ملتفة لأطلع على وضعية رجالي بعد هذه المواجهة غير المتكافئة، فوجدت رجالي قد تضعضعت وتشتتت صفوفهم وانهارت معنوياتهم،‭ ‬واعتقل‭ ‬الكثير‭ ‬منهم‭ ‬وتم‭ ‬تطويق‭ ‬من‭ ‬تبقى‭ ‬منهم‭.‬
فقابلت الرائد عمار ملاح وقادة الفيالق لاستعراض الوضع، فقدم لي ملاح تقريرا شفويا عن سريان المعارك وسبب إخفاق قواتنا في الوصول إلى هدفها في البليدة، فأرجع ذلك إلى سد قوات بومدين لجسر بورومي بالسيارات وتدخل الطائرات الحربية التي قصفت قواتنا، بالإضافة إلى عدم وصول الذخيرة ونفاد الوقود والبنزين من الدبابات والمدرعات التي استهلكت مخزونها في طريقها من الشلف إلى العفرون، وكان مسؤول الوسائل والذخيرة ضابط يدعى بوجادة وهو صهر الرائد عبد القادر شابو الأمين العام لوزارة الدفاع لذلك منع عنا الذخيرة.
وقد تفقدت الفيلق المدرع الذي كان يمثل قوتنا الضاربة فوجدت أنه كان أكثر الفيالق تضررا من القصف المدفعي والجوي وأخبرني الملازم العياشي حواسنية، قائد الفيلق، أن 9 رجال من فيلقه قـتلوا خلال هذه المعركة.
كان الوضع الميداني صعبا وإن لم يكن كارثيا، وكان بإمكاننا مواصلة القتال لكن ذلك كان سيؤدي إلى مزيد من إزهاق أرواح الجنود والضباط في الجانبين، لذلك أمرت القوات أن تقترب من مدينة حمام ريغة التي يوجد بها مستودع للسلاح ثم التحصن بالجبال وانتظار الأوامر.
كنت أتوقع أن يصلني المدد في صبيحة الغد من قادة النواحي العسكرية وخاصة محمد صالح يحياوي والعقيد عباس وعبد الرحمان بن سالم وربما الشاذلي بن جديد وخالد نزار، وتوقعت كما كان مخططا أن تتفجر المظاهرات والاحتجاجات الشعبية المنددة بحكم بومدين في العاصمة وغيرها من‭ ‬المدن‭ ‬مما‭ ‬يعطينا‭ ‬فرصا‭ ‬أكثر‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬بومدين‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الجلوس‭ ‬إلينا‭ ‬للتفاوض‭ ‬بشأن‭ ‬القضايا‭ ‬المختلف‭ ‬بشأنها‭ ‬خاصة‭ ‬ما‭ ‬تعلق‭ ‬بتقليص‭ ‬صلاحياته‭.‬
الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬مستودع‭ ‬للأسلحة‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬مدرسة‭ ‬عسكرية‭ ‬
ليلة 14 ديسمبر 1967 كانت صعبة للغاية، حيث جرت الأمور بعكس ما كنا نتوقع، خاصة بعد تدخل الطائرات الحربية التي يقودها الطيارون الروس، ونفاد الوقود من الدبابات والآليات العسكرية، ولحسن الحظ كانت هناك ثكنة عسكرية في منطقة حمام ريغة منذ العهد الاستعماري وبعد الاستقلال‭ ‬جعل‭ ‬منها‭ ‬الجيش‭ ‬الوطني‭ ‬الشعبي‭ ‬مستودعا‭ ‬للأسلحة‭ ‬والذخائر‭ ‬والوقود،‭ ‬فتحرك‭ ‬قطاع‭ ‬من‭ ‬قواتنا‭ ‬واستحوذ‭ ‬على‭ ‬مستودع‭ ‬السلاح‭ ‬دون‭ ‬مقاومة‭ ‬تذكر‭ ‬مما‭ ‬رفع‭ ‬معنويات‭ ‬جنودنا‭ ‬وأعاد‭ ‬الحياة‭ ‬لمحركات‭ ‬آلياتنا‭ ‬العسكرية‭.‬
خبر سار آخر كان في انتظارنا بعد أن بلغنا أن اثنين من ضباطنا في المدرسة العسكرية للدفاع الجوي بالرغاية شرقي العاصمة استطاعا السيطرة على المدرسة التي تحتوي على صواريخ مضادة للطائرات من نوع "أرض ـ جو" وصواريخ أخرى من نوع "أرض ـ أرض".
وتمكن كل من صالح قمعون وعمارة نويوة وهما من ضباطنا الفاعلين من إقناع ضباط وجنود المدرسة العسكرية للدفاع المضاد للطيران "دي سي أ" بدعم حركتنا، رغم أن مسؤول المدرسة عبد النور بكا وهو من الضباط الفارين من الجيش الفرنسي كان من المؤيدين لبومدين ولكن الأمور تجاوزته،‭ ‬واستطاع‭ ‬قمعون‭ ‬ونويوة‭ ‬توقيفه‭ ‬وسجنه‭ ‬والسيطرة‭ ‬على‭ ‬المدرسة‭ ‬العسكرية‭.‬
ورغم أن المدرسة العسكرية للدفاع الجوي كانت بعيدة نسبيا عن ساحة المعارك، إلا أن إعلان ضباطها انضمامهم إلى حركتنا كان له الأثر القوي على معنوياتنا، وكنا نتوقع أن يحفز ذلك عدة قطاعات من الجيش للانضمام إلينا.
‭ ‬كما‭ ‬تمكنت‭ ‬قواتنا‭ ‬من‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬قافلة‭ ‬سلاح‭ ‬وذخيرة‭ ‬ووقود‭ ‬كانت‭ ‬متوجهة‭ ‬إلى‭ ‬معسكر‭ ‬الجيش‭ ‬النظامي‭ ‬لكنها‭ ‬أخطأت‭ ‬طريقها‭ ‬ووقعت‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬رجالنا‭ ‬فكانت‭ ‬بمثابة‭ ‬انتصار‭ ‬آخر‭ ‬لقواتنا‭.‬
ورغم هذه الانتصارات الصغيرة إلا أن إخفاقنا في الوصول إلى البليدة جعل أمل انتصارنا على بومدين مرتبطا بمدى تحرك قادة النواحي العسكرية والفعاليات الشعبية لدعم حركتنا، إلا أنه لا هذا ولا ذاك حصل، بل إن الوحدات العسكرية في الأوراس وبقية القادة العسكريين الذين‭ ‬وعدوني‭ ‬بالتحرك‭ ‬بقواتهم‭ ‬لدعمي‭ ‬تراجعوا‭ ‬عن‭ ‬موقفهم‭ ‬بعد‭ ‬واقعة‭ ‬العفرون‭.‬
أما الرائد الشاذلي بن جديد فدفع بفيلقين من قواته إلى ميدان المعركة من الجهة الغربية للعفرون، أي خلف قواتنا تماما، مما جعلنا محاصرين شرقا وغربا، وكذلك فعل الرائد عبد الله بلهوشات الذي كان على رأس الناحية العسكرية الخامسة (قسنطينة) حيث أرسل فيلقين من الرجال‭ ‬عبر‭ ‬الطائرات‭ ‬التي‭ ‬حطت‭ ‬في‭ ‬المطار‭ ‬العسكري‭ ‬لبوفاريك‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬المواجهة‭ ‬لمؤازرة‭ ‬قوات‭ ‬بومدين‭.‬
ولم يكن بومدين في هذا العام يحظى بشعبية كبيرة بعد انقلابه على الرئيس أحمد بن بله، مما جعل قطاعات واسعة من أنصار الرئيس المخلوع ينقمون عليه، فضلا عن ازدياد عدد المعارضين لبومدين داخل صفوف الجيش بسبب ميله للحكم الفردي واستعانته كثيرا بالضباط الفارين من الجيش الفرنسي على حساب قدماء ضباط جيش التحرير، ناهيك عن المعارضين السياسيين التاريخيين أمثال حسين آيت أحمد، ومحمد بوضياف وأحمد محساس وكريم بلقاسم، لذلك كنت آمل أن يؤدي ذلك إلى انقلاب الوضع على بومدين في فجر اليوم الموالي. ‬
انسحاب‭ ‬قواتنا‭ ‬
في ليلة 14 ديسمبر قرر الملازم معمر قارة سحب فيلق المشاة من ميدان المعركة، بعد أن تيقن من استحالة نجاح حركتنا في مثل تلك الظروف، خاصة أن الفيالق الثلاثة لم تتمكن من تحقيق أولى أهدافنا في السيطرة على قيادة الناحية العسكرية الأولى في البليدة، كما أن الرائد عمار ملاح والذي كان مكلفا بالقيادة الميدانية لعملياتنا العسكرية لم يقدم لقادة الفيالق خطة واضحة حول توزيع كتائبنا في ميدان المعركة وكيفية الدفاع أو الهجوم في تلك الوضعية، خاصة بعد تضرر الفيلق المدرع بشكل كبير إثر القصف الجوي الذي استهدفه بشكل أساسي باعتباره‭ ‬القوة‭ ‬الضاربة‭ ‬لقواتنا‭.‬
وتوجه الملازم معمر قارة بكتائبه الأربعة ـ التي لم يفقد منها أي فرد من رجاله ـ إلى ثكنة القليعة (تابعة حاليا لولاية تيبازة)، فيما اتخذ سبيله باتجاه الشرق علّه يتمكن من الخروج من الجزائر واللجوء إلى إحدى الدول العربية في المشرق.
وفي فجر يوم 15 ديسمبر كانت قواتنا أو ما تبقّى منها محاصرة بالكامل وإن لم تقع أي اشتباكات جديدة، كما بلغنا خبر انتحار (أو اغتيال) الرائد سعيد عبيد قائد الناحية العسكرية الأولى مما قضى على آخر أمل في إمكانية الضغط على بومدين من أجل التفاوض معنا، خاصة بعدما‭ ‬خذلنا‭ ‬قادة‭ ‬النواحي‭ ‬العسكرية‭ ‬الأخرى‭ ‬وكذا‭ ‬الاتحاد‭ ‬العام‭ ‬للعمال‭ ‬الجزائريين،‭ ‬ولم‭ ‬يمارس‭ ‬خصوم‭ ‬بومدين‭ ‬ـ‭ ‬على‭ ‬كثرتهم‭ ‬ـ‭ ‬أي‭ ‬ضغط‭ ‬شعبي‭ ‬وسياسي‭ ‬مؤثر‭ ‬على‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الثورة‭. ‬
أما بالنسبة للخسائر البشرية خلال هذه المواجهة فقد ذكرت بعض المصادر أنها بلغت 30 قتيلا و130 جريحا، لكن ليس لدي أرقام دقيقة حول الرقم الحقيقي لضحايا هذه المواجهات، ولكني أذكر أن العياشي حواسنية قائد الفيلق المدرع أكد لي أننا لم نفقد خلال هذه المعركة سوى 9 رجال،‭ ‬غير‭ ‬أني‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬أرقاما‭ ‬عن‭ ‬عدد‭ ‬القتلى‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬القوات‭ ‬النظامية‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬صفوف‭ ‬المدنيين‭ ‬الذين‭ ‬قصفتهم‭ ‬الطائرات‭ ‬الحربية‭.‬
خاتمة‭ ‬القول
إن حركة 14 ديسمبر 1967 لم تكن يوما "محاولة انقلاب عسكري" كما يعتقد الكثيرون، لأننا ببساطة لم نكن نسعى للإطاحة ببومدين من السلطة، وإنما كان هدفنا الأساسي هو الضغط على بومدين لإعادة الشرعية للبلاد بعد تملصه من عهوده بمجرد نجاح التصحيح الثوري الذي قدته معه ضد بن بله في 19 جوان 1965، قبل أن أكتشف أن بومدين يحاول استنساخ نفس الحكم الفردي الذي ميز عهد بن بله، وهذا ما صدمنا لأننا قضينا على "ديكتاتور" فوجدنا أننا لم نقم سوى باستبداله "بدكتاتور" آخر، وهذا ما يتنافى مع مبدأ "القيادة الجماعية" الذي سنّه المفجّرون الأوائل‭ ‬للثورة‭ ‬‮(‬بن‭ ‬بولعيد‭ ‬وأصحابه‮)‬‭.‬
لم تكن معركتنا الحقيقية ضد بومدين بقدر ما كانت ضد الضباط الفارين من الجيش الفرنسي الذين شكلوا نواة صلبة داخل الجيش وأصبح نفوذهم يزداد من سنة إلى أخرى على حساب قدماء جيش التحرير والضباط المتخرجين من المدارس العسكرية بالشرق بسبب اعتماد بومدين عليهم في حروبه ضد قادة الولايات التاريخية الرابعة (العقيد يوسف الخطيب) والثالثة )العقيد محند أولحاج) والثانية (العقيد صالح بوبنيدر) والسادسة (العقيد شعباني) وأخيرا الأولى (العقيد الطاهر زبيري)، ولم تبق سوى الولاية الخامسة لم تدخل في صراع مع بومدين لأنه كان أحد قادتها التاريخين‭.‬
بعد معركة العفرون هيمن العقيد هواري بومدين على زمام السلطة بشكل تام ولم يعد هناك من يشكل تهديدا حقيقيا على سلطته المطلقة، وأحاط نفسه بجماعة وجدة التي شكلت الدائرة الثانية للسلطة الجديدة وارتقى الضباط الفارون من الجيش الفرنسي إلى مناصب أكثر حساسية في الجيش بعد أن لعبوا الدور الأساسي في الحفاظ على سلطة بومدين المطلقة وأصبحوا يشكلون الدائرة الثالثة للسلطة مما جعلهم يتطلعون للعب أدوار سياسية من وراء ستار وهو الأمر الذي طالما حذر منه العقيد شعباني والكثير من القيادات السياسية والعسكرية في مؤتمر الحزب عام 1964 لكن بومدين أكد حينها أن دورهم سيقتصر فقط على جوانب فنية داخل الجيش، لكن بعد سنوات ليست طويلة سيطر الضباط الفارون من الجيش الفرنسي على العديد من قنوات صناعة القرار في البلاد خاصة بعد وفاة بومدين في ديسمبر 1978.
نفوذ قدماء جيش التحرير ودورهم في صناعة القرار بدأ في التقلص بعد فشل حركة 14 ديسمبر في تحقيق أهدافها، خاصة وأننا فقدنا منصبين حساسين جدا في الجيش وهما قيادة أركان الجيش الوطني الشعبي وقيادة الناحية العسكرية الأولى، ومع ذلك بقيت معظم قيادات النواحي العسكرية‭ ‬بيد‭ ‬قدماء‭ ‬جيش‭ ‬التحرير‭ ‬مثل‭ ‬يحياوي‭ ‬والشاذلي‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬نائبي‭ ‬قائد‭ ‬الأركان‭ ‬العقيد‭ ‬عباس‭ ‬‮(‬توفي‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬انتحار‭ ‬السعيد‭ ‬عبيد‮)‬‭ ‬والرائد‭ ‬عبد‭ ‬الرحمان‭ ‬بن‭ ‬سالم‭
مطاردات بوليسية في جبال الأوراس والدرك كاد يقبض علي
بورقعة ساعدني في الهروب من البليدة إلى العاصمة

الحلقة الثانية عشرة

بعد أن فشلت خطة الطاهر زبيري في الضغط عسكريا على بومدين للرضوخ لمبدأ "القيادة الجماعية" الذي سنه الآباء المفجرون للثورة، أصبح زبيري مطلوبا لدى جميع الأجهزة الأمنية والعسكرية حيا أو ميتا، واليوم يحكي لنا عمي الطاهر المطاردات البوليسية له من مدينة إلى مدينة، ومن قرية إلى قرية، ومن زنقة إلى زنقة، بشكل مثير ومشوق يصلح لكي يكون مشروع فيلم سنيمائي، تابعوا...
الخروج إلى البليدة
بعد واقعة العفرون، اجتمع قادة الولاية الرابعة وكان من بينهم العقيد يوسف الخطيب والرائد يوسف بولخروف والرائد لخضر بورقعة ومراد ثم جاؤوني إلى غابة الشبلي في البليدة، وقد أوعزت في نفسي خيفة منهم بأن يقوموا باعتقالي وتقديمي قربانا لبومدين لتبرئة ذمتهم بعد أن بلغتهم نتائج واقعة العفرون، خاصة أنه لم يكن يرافقني أي من الحرس باستثناء سائقي المخلص، لكن قادة الولاية الرابعة كانوا أكثر شهامة من غيرهم.
لم أضع في حسباني أن يتخلى عني كثير من الرجال الذين أقسموا بأغلظ الأيمان بأنهم سيكونون إلى صفي عندما يجد الجد وتفرز الصفوف، لكن بعد أول مواجهة راجع الكثيرون موقفهم وتحولت الخيانة إلى حكمة وحسن تدبر، فنكسوا رؤوسهم، واختبؤوا في جحورهم، وغيروا صفوفهم.
وفي هذه اللحظات العصيبة قال لي بورقعة:
ـ اذهب إلى الأوراس وحرك الأمور.
في ليلة المواجهة رافقني الرائد بورقعة في السيارة إلى العفرون وتدثرنا بجنح الظلام حتى لا يتعرف علينا رجال بومدين، وعاينت هناك ظروف المعركة واتصلت مباشرة برجالي وقد تأسفت لحالهم بعد أن لعبت الأوحال والقنطرة والطائرات دورا محوريا في هذه المواجهة، وبعد أن أمرت رجالي بالانسحاب إلى الجبال حفاظا على وحدة الجيش والجزائر وطلبت منهم وقف إطلاق النار وانتظار الأوامر، توجهت رفقة بورقعة إلى جبل حلوان، وفي الغد دخلنا إلى العاصمة عبر محاور لم أكن أعرفها لكن بورقعة باعتباره من المنطقة كان يدلنا على أفضل السبل لتفادي الحواجز الأمنية الكثيفة التي وضعها رجال بومدين لإلقاء القبض على كل من كانت له علاقة بحركتنا.
فكرت حينها في العودة إلى الأوراس، خاصة وأن لدي وحدات عسكرية في المنطقة تخضع لسلطتي، فقد كان بإمكاني تجميع فرقة ونصف من الرجال، وبمجرد تحركي أستطيع أن أجمع أكثر وأكثر، لكن بومدين سارع إلى عزل القادة والضباط الذين يشك في ولائهم لي مما صعب من مهمتي.
التسلل إلى الأوراس
بعد أن استطاع بومدين إنهاء الجولة الأولى لصالحه والقضاء على الموجة الرئيسية لقواتنا أطلق رجال الأمن والمخابرات لتعقب أثري قصد اعتقالي مع كبار قادة حركة 14 ديسمبر، فأصبح من الصعب علي أن أتجاوز كل تلك الحواجز الأمنية حتى أصل إلى جبال الأوراس التي تبعد عن العاصمة بنحو 500 كيلومتر شرقا.
لكني سمعت أن سائق قطار يدعى أحمد بوزيدي بن طيب العمراني استطاع أن ينقذ أحد رجالنا ويسمى عبد الحميد بن غزال ونقله إلى قسنطينة رغم الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضها رجال بومدين علينا والتي مكنتهم من اعتقال الكثير من رجالنا والمتعاطفين معنا.
وأرسلت رجالا من الولاية الرابعة إلى أحمد بوزيدي فلم يجدوه وأخبرهم ابنه بأنه في سفر وقد يتأخر في العودة، لذلك فكرت في رجل آخر من الأوراس يعمل بالعاصمة ولديه شاحنات ومحلات تجارية لبيع قطع الغيار إذ كانت لديه شركة للتصدير والاستيراد، ويدعى هذا الشخص مقلاتي وكنا إبان الثورة نأكل وننام عنده ونعتبره من الأصدقاء الكبار للثورة، وعندما أرسلت في طلبه لم أجده ولكن جاءني ابنه، فقلت له:
ـ أنتم لديكم شاحنات.. وأرغب الآن في العودة إلى المنطقة (الأوراس).
ـ سأكلم أبي.
وعندما بلغه الأمر، قال الطاهر مقلاتي لابنه:
ـ خبئه في المخزن.. ودعنا نحترق بنار الأزمة كلنا.
وجئتهم ليلا واختبأت في المخزن، وأخبرني مقلاتي بأنهم سينجزون لي بيتا من الألواح الخشبية، لأنهم كانوا يتاجرون في الخشب أيضا، وبعد أن قضيت عندهم ليلة أو ليلتين وضعوا البيت الخشبي في وسط الشاحنة ورموا من حوله الألواح الخشبية بشكل لا يدعوا للريبة.
دخلت البيت الخشبي واختبأت فيه، وتولى سائق يدعى الطيب قيادة الشاحنة وكان أهل ثقة، وتوجهنا نحو الأوراس، وفي الطريق اعترضتنا ثلاث حواجز أمنية اثنين منها اجتزناها بسهولة لأن رجال الأمن كانوا يعرفون الطيب فلم يوقفوه، لكن الحاجز الثالث أجبرنا رجال الدرك على التوقف، وصعد دركي فوق ألواح الخشب وهو يحاول أن يكتشف شيئا بين ثناياها، وكادت أنفاسي تنقطع بعد أن رأيت أمري يكاد ينكشف، لكن الله ستر، فلم يرنِ الدركي واجتزنا هذا الحاجز الأخير بسلام، وواصلنا طريقنا إلى الأوراس وحماية الله ترعانا.
وصلنا مدينة باتنة ودخلنا إلى المخزن، وتمكنت حينها من الخروج من ذلك القفص الخشبي الذي يشبه السجن الضيق، وطلبت من السائق أن يذهب في طلب رجل صنديد من أصدقائي المقربين يسمى عبد الحميد قواسمية، فجاءني هذا الأخير في سيارة من نوع "سيتروايان"، وأخذني إلى عين مليلة في أم البواقي لدى أحد المواطنين البسطاء الذي قضيت ليلتي تلك في داره، وفي صباح الغد اتصلوا بمسؤولي المنطقة فجاءني رجل يدعى السعيد 86 واسمه الحقيقي "بنور" وكان يحمل معه بندقية طويلة الماسورة فأخذني إلى قرية "غليف" عند رجل فاضل يدعى "عمي السعيد بوخرشوفة".
بومدين يعزل الضباط المتعاطفين معي في الأوراس
بقيت في قرية "قليف" أتابع الأوضاع أولا بأول، وأراقب الأمور ما إذا كانت حدثت مظاهرات أم لا، وما هو مصير الضباط والجنود الذين وقفوا إلى جنبي مثل عمار ملاح، العياشي حواسنية شريف مهدي، ووجدت أن أغلب جنودي سلموا أنفسهم، أما النقيب العياشي حواسنية والشريف مهدي الأمين العام في هيئة الأركان فتمت محاصرتهما وإلقاء القبض عليهما، في حين بقي الرائد عمار ملاح حرا مطاردا مثلي.
كنت بحاجة إلى أموال كثيرة ربما 5 ملايين دينار (نصف مليار سنتيم بقيمة ذلك الزمان) لكن ذلك كان بعيد المنال تماما، والأمور أصبحت أكثر صعوبة بعد عزل وإبعاد ضباطي الأوفياء في المنطقة العسكرية الخامسة من المسؤوليات العسكرية التي كانوا مناطين بها رغم أنهم كانوا أشبه بالخلايا النائمة التي لم تتحرك يوم 14 ديسمبر، وتم استبدال هؤلاء الضباط بآخرين غير متعاطفين معنا.
بقيت نحو شهرين في قرية غليف، اتصل بي خلالها بعض الضباط الذين كانوا تحت قيادتي خلال الثورة مثل مكي البرجي وعبد الحميد وأعلنوا استعدادهم للوقوف إلى جانبي في وجه بومدين ورجاله، ولم تسمح الحالة التي كنا فيها بمواصلة معارضتنا.
رجال بومدين يتعقبونني
لم ييأس ولم يكل رجال بومدين من مطاردتي ومحاولة إلقاء القبض علي بأي شكل من الأشكال، وبقائي حرا طليقي بين أهلي وعشيرتي في الأوراس كان يسبب الأرق لبومدين، لأنه كان يعلم ماذا يعني لو تمردت عليه الأوراس لذلك أرسل رجال الشرطة والدرك والجيش والأمن العسكري لتقفي أثري والبحث عني في كل مكان والقبض علي حيا أو ميتا.
ومن بين أبرز الضباط الذين كانوا يتعقبونني بإصرار وعناد عبد السلام بوشارب الذي ترقى في المناصب إلى أن وصل إلى رتبة جنرال، وكان خلال الثورة مجاهدا في جيش التحرير فألقى الجيش الفرنسي القبض عليه في 1961 وبعد الاستقلال جاءني يطلب مساعدتي للانضمام إلى الجيش الوطني الشعبي، فأرسلته إلى قاصدي مرباح للعمل معه في الأمن العسكري بل قمنا بترقيته إلى رتبة عسكرية أعلى، لكنه بعد أزمتي مع بومدين كان أشد الضباط تعقبي لي خاصة وأنه ابن المنطقة.
ولأنه كان مجاهدا في الأوراس ويعرف رجالها جيدا فقد اتجه مباشرة إلى الطاهر مقلاتي في محله بباتنة وقال له بشكل مباشر ومستفز:
ـ الطاهر زبيري موجود عندك؟
ونفى مقلاتي بطبيعة الحال علمه به ورد عليه متحديا:
ـ إذهب وفتش عنه.
وإلى جانب عبد السلام بوشارب كان النقيب عطايلية نائب قائد المنطقة العسكرية الخامسة (تقاعد برتبة جنرال) هو الآخر في أثري، وكان يقود كتيبة من الجنود مرفوقة بالكلاب البوليسية المدربة لتعقبي من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى قرية ومن بيت إلى بيت، وسببت هذه المطاردات الكثير من الأذى والإحراج لمن عرفوني عن قرب أو كانت تربطهم بي أدنى علاقة سواء خلال الثورة أو بعد الاستقلال.
الأمن العسكري يحدد مكاني
خلال الأشهر الأولى من سنة 1968 كانت جميع اتصالاتي بالرائد عمار ملاح الذي كان من الضباط المطاردين القلائل الذين نجوا من الاعتقال تتم بالرسائل التي أبعث بها عبر رجال ثقاة، وفي إحدى هذه الرسائل أمرته بأن يلتحق بي في منطقة بنواحي "غليف" بالأوراس لكن الرسول الذي كلفته بإيصال هذه الرسالة أعطاها لشخص آخر من معارفه للقيام بهذه المهمة، غير أن هذا الأخير بدل أن يوصلها إلى الرائد عمار ملاح سلمها بكل برودة دم إلى الأمن العسكري.
أصبح الأمن العسكري يملك رأس الخيط الذي بإمكانه أن يوصله إلى مكان تمركز عمار ملاح في ضواحي العاصمة بل وتحديد مكاني أنا الآخر في الأوراس في ضواحي غليف، لذلك كثف الأمن العسكري عمليات البحث عني في المنطقة ولحسن حظي أنني كنت آخذ احتياطاتي بشكل جيد، حيث أغير أماكن تواجدي باستمرار.
الكثير من سكان الأوراس كانوا متعاطفين معي وآووني في بيوتهم، واقتسمت معهم رغيف عيالهم، وحفظوا سري في صدورهم، ولم يشوا بي إلى رجال بومدين رغم خوفهم من بطشهم وحاجتهم إلى مكافأة مالية تنتشلهم وأطفالهم من مستنقع الفقر والحرمان.
وتولى الصالح عبد اللاوي (كان ضابطا في الولاية الأولى خلال الثورة ونائبا لقائد المنطقة الثانية بجبل شيلية) مهمة اختيار المكان المناسب الذي أختفي فيه عن عيون بومدين، فلم أكن أتحرك إلا إلى المكان الصحيح وفي سرية تامة، لذلك وجد الأمن العسكري صعوبة كبيرة في تحديد مكان تواجدي بالدقة المطلوبة وفي الوقت المناسب.
الصالح عبد اللاوي كان يعرف المنطقة شبرا شبرا، دارا دارا، زنقة زنقة، كما يعرف أهلها فردا فردا، وهو الذي كان يزودني بالمؤونة والجرائد لأن الناس الذين كنت أختبئ عندهم جميعهم فقراء، ولم يكن لديهم ما يسد قوت عيالهم فأنى لهم بمؤونة قائد أركان "قلب له الزمان ظهر المجن"؟
الدرك يحاصر مخبأنا ويعتقل عبد اللاوي
أقمت لفترة مع صديقي محمد شبيلة الذي التحق بي في غليف عند شخص يدعى الماكودي سعيدي في دوار يدعى "بولفرايس" يقع بين ولايتي باتنة وخنشلة بعيدا عن الطريق الرئيسية، وكانت جميع تحركاتنا ليلا وكنت أحمل معي رشاشا آليا من نوع "كارابينا" بالإضافة إلى مسدس، ولكني ذات مرة تاقت نفسي للاستحمام خاصة وأني قضيت أسابيع في الغابات والجبال بدون استحمام نظرا لأن الناس كانوا يعانون من نقص المياه وكأن شمس الاستقلال لم تشرق بعد في سماء هؤلاء المساكين.. الأوفياء.
قررت الذهاب مع محمد شبيلة إلى حمام الصالحين بخنشلة للاستحمام في وضح النهار رغم كل ما يحمله هذا القرار من مغامرة غير محمودة العواقب، ولكننا احتطنا للأمر، فقد غيرت من مظهري بشكل يصعب التعرف علي، أصبح شاربي أكثر طولا، وكنت أضع لحافا على رأسي وأرتدي قندورة وملابس الفلاحين، حتى يحسب من يراني أنني واحد من أبناء الدوار ولو أنني كنت فعلا كذلك.
ولتأمين سلامتنا جاء صالح عبد اللاوي بسبع مجاهدين من المنطقة ومعهم أسلحتهم التي كانوا يمتلكونها منذ أيام الثورة، وظلوا يحرسوننا بيقظة، وسبحنا في مياه حمام الصالحين الساخنة طبيعيا وقضينا أوقاتا ممتعة افتقدناها منذ واقعة العفرون.
وعندما أردنا العودة جاءنا صالح عبد اللاوي بسيارة أجرة يقودها رجل يدعى "الحاج علي" وكان رجل ثقة، فأخذني رفقة محمد شبيلة والماكودي إلى بيت لا يبعد عن دار هذا الأخير في دوار بولفرايس سوى بنحو ثماني كيلومترات، وفي الغد التحق بنا صالح عبد اللاوي ومعه بعض المواد الغذائية لكنه لم يأت لنا بالجرائد، وكان حينها قد تم القبض على عمار ملاح وصهري موسى حواسنية لكن الجرائد لم تتكلم عن هذا الحدث لأن بومدين كان يريد أن يلقي بظلال من النسيان على حركة 14 ديسمبر 1967.
طلبت من الماكودي أن يرافق عبد اللاوي والحاج علي إلى مدينة قايس أين يقيم عبد اللاوي لشراء الجرائد، وعندما وصلوا إلى البلدة نزل عبد اللاوي ودخل إلى بيته، بينما بقي الماكودي رفقة السائق الحاج علي حيث ساروا قليلا قبل أن ينزل الماكودي وسط البلدة لشراء الجرائد، إلا أن الماكودي كان مرتابا في الحاج علي الذي كان محل ثقة صالح عبد اللاوي بدليل أنه نقلنا مرارا بسيارته دون أن يحدث لنا أي مكروه.
تتبع الماكودي الحاج علي إلى أن رآه يدخل مقرا للدرك الوطني، فتأكد من خيانته لنا، فرجع يجري بأقصى ما أوتي من قوة ليحذرنا قبل أن يصل رجال الدرك إلينا، كان رجلا صنديدا ووفيا قطع عشرة كيلومترات وهو يجري حتى يسبق سيارات الدرك، إلى أن وصل إلينا وهو يلهث من شدة التعب وقال لنا:
ـ هيا بنا علينا أن نخرج من هنا حالا.
وتحركنا بسرعة لاجئين إلى غابة البراجة في جبل كيمل والتي كانت مركزا لقيادة الولاية الأولى خلال الثورة، وعندما وصل رجال الدرك إلى المخبأ الذي كنا فيه حاصروه بسرعة ثم اقتحموه لكنهم لم يجدوا أحدا، فقد أفلت صيدهم الثمين، إلا أنهم مع ذلك نجحوا في القبض على صالح عبد اللاوي في بيته، الذي أخضع لتعذيب تقشعر منه الأبدان، حيث علق بالسيلان (الأسلاك الشائكة) وأطلقوا عليه الكلاب الشرسة لتنهش لحمه حتى يُقِر بكل ما يعرفه عني وعن الأماكن التي سبق وأن اختبأت فيها، ثم نقلوه إلى السجن.
عمي السعيد بوخرشوفة وأمنا عائشة
أخذنا الماكودي إلى شيخ فقير يدعى "عمي السعيد بوخرشوفة" وزوجته "أمنا عائشة" اللذان كانا يؤويان الثوار خلال حرب التحرير، وكان عمي بوخرشوفة لديه كوخين في غابة البراجة بأعالي جبال الأوراس، ومكثت عنده ثمانية أيام كاملة مع محمد شبيلة، وطيلة هذه المدة لم يأتي إلينا أي شخص لا صالح عبد اللاوي الذي لم نكن نعلم بأنه اعتقل ولا شخص آخر.
كانت ظروف حرجة للغاية، وزادت الثلوج والأمطار والبرد القارس الوضع قساوة ومأساوية، فلم تصلنا المؤن والغذاء، بل كنا نشارك شيخا فقيرا قوته وقوت زوجته العجوز ونقتسم معهما رغيفهما طيلة ثمانية أيام كاملة.
وجاءنا الماكودي أخيرا وأخذنا عند رجل آخر يدعى محمد العيد شقيق رجل طريف يدعى "حمنا القاهرة" والذي عندما سأله رجال الدرك: "هل جاءك زبيري" قال لهم بتغابي: "لم يشرفن بالمجيء"، ولما قالوا لشقيقه إن الطاهر زبيري: "خائن" صدم وهو الذي يعتبرني أحد أبطال الأوراس الذين حرروا الجزائر فقال مندهشا "... الطاهر زبيري يخون؟"، وأضاف "سمعت أن أمرا وقع في جبل فرعون" وكان يقصد مدينة العفرون.
أما أشجع الرجال الذين سمعت عنهم ولم أعرفهم خلال محنتي فكان شيخا طاعنا في السن (في الثمانين من العمر) عندما جاءه رجال الدرك والمخابرات ليسألوه إن كنت زرته أو اختبأت في بيته، تحداهم قائلا "لم يشرفن بالمجيء، ولو جاءني... فإما رحلتم أو قتلتكم جميعا".
ازدادت مطاردات رجال الأمن العسكري والدرك والشرطة والجيش لنا شراسة وحدة، بل وضيقوا الخناق علينا كثيرا خاصة بعد أن تم اعتقال الماكودي وشقيقه والطاهر مقلاتي وأخوه أيضا، مما جعلنا في وضع صعب لا نحسد عليه.. كانت حملة مسعورة لاعتقال واستنطاق كل من ساهم في تهريبي إلى الأوراس أو آواني أو ساعدني بأي شكل من الأشكال، وحتى الضباط الذين يشتبهون في ولائهم لي أو تعاطفهم معي تم إبعادهم أو تحويلهم إلى مناطق بعيدة عن الأوراس.
قضينا ثلاثة أيام لدى حمنا القاهرة وشقيقه محمد العيد، ثم عدنا إلى غابة البراجة في جبل كيمل عند عمي السعيد بوخرشوفة الذي كان رجلا قانعا بما رزقه الله رغم فقره المدقع وعزلته في غابة البراجة، وبقينا هناك نصارع الجوع والمرض حتى أرجلنا تفسخت من كثرة المشي في الجبال والغابات فارين من مطاردات النقيب عطايلية ورجال الأمن العسكري وقوات الدرك التي ازدادت شراسة بعد أن تأكدوا أنني تمكنت من الوصول إلى الأوراس.
لم تعد رجلاي تتحملاني أكثر رغم أنني خلال الثورة كنت مثل الأسد الهصور أجوب أرجاء هذه الغابات والجبال دون أن أكلَّ أو أملَّ، لكن هل بعدما ذقت طعم العيش الرغيد في قيادة الأركان صعبت عليّ أيام المحن والإحن؟
كانت أمنا عائشة تبكي بالدموع الساخنة وهي ترثي لحالي، وتتألم لمرضي، في حين كان عمي السعيد بوخرشوفة يوصيني دوما بالحفاظ على الصلاة، فقد كان رجلا تقيا ورعا رغم فقره ولكني كنت أرد عليه مازحا "أنا لدي جبال من الحسنات لأني دافعت بروحي عن الإسلام وعروبة الجزائر".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الحلقة الحادية عشرة و الثانية عشرة من مذكرات الطاهر الزبيري
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ستارلاوز ********* STARLAWS Forum :: الأدب و الشعــــــــــــــر :: القصص و التراجم و الفروع الأخرى-
انتقل الى: