الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 المبالغة التشكيلية في الحضارات القديمة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
nina-grif

avatar

عدد المساهمات : 3
نقاط : 6121
تاريخ التسجيل : 06/07/2009

مُساهمةموضوع: المبالغة التشكيلية في الحضارات القديمة   الأحد 01 نوفمبر 2009, 3:13 am

المبالغة التشكيلية في الحضارات القديمة

د. ممدوح حمادة

إن الكاريكاتير كفن مستقل تبلور بشكل تقريبي في أواخر القرن الثامن عشر، وأوائل التاسع عشر وبشكل أساسي في بلدان أوربا، على القاعدة الفنية لعصر النهضة الأوربية.

ولكن الكاريكاتير كفن مركّب من عنصري التشكيل والكوميديا، أو السخرية له جذوره القديمة الضاربة في أعماق التاريخ، لدرجة تدفع بعضهم للقول إن الكاريكاتير ولد مع ولادة الإنسان. ويمكن العثور على الرسوم الكوميدية في آثار تعود حتى لحضارات وفنون ما قبل التاريخ. حيث كان الإنسان يصوّر على جدران مغارته، وعلى الصخور حياة الحيوانات المحيطة به وحياته الشخصية. وقد عُثر على الكثير من الرسوم التي تحتوي على عناصر الكوميديا والسخرية فوق الكثير من جدران الكهوف في فرنسا وإيطاليا وأمريكا الجنوبية والجزيرة العربية والصحراء الجزائرية وقبرص و في الكثير من الأمكنة الأخرى.

ولعل أبرز ما تم العثور عليه هو تلك الرسوم المنفذّة على الصخور والتي عثر عليها بكميات كبيرة في الصحراء الجزائرية، والتي تتميز السخرية فيها عن السخرية في فنون الحضارات القديمة الأخرى كما يؤكد القس " بريل " الخبير بفن ما قبل التاريخ، بأنها لا تحمل الطابع الديني. وبين هذه الرسوم ما يكتفي بالتشويه والمبالغة في رسم الأشكال البشرية، وبينها ما يحتوي على عناصر الكوميديا والسخرية في موضوعه. فعلى جرف صخري في ( وادي الجرات) مجموعة كبيرة من الرسوم ذات الموضوع الجنسي، وهي الرسوم الأكثر فحشاً من بين الرسوم الجنسية التي تعود لحضارات ما قبل التاريخ. فعلى هذا الجرف رُسم رتل طويل من الرجال ذوي القرون، وأعضاؤهم التناسلية جاهزة للاتصال مع أعضاء تناسلية مؤنثة، ومن الجدير بالذكر أن التفاصيل التشريحية في هذه الرسوم منفذة جميعها بإتقان بالغ ورغم الوضوح التام للشكل الخارجي لهذه الرسوم فإنه من غير المحتمل أن البشر سيفهمون في يوم ما المضمون الحقيقي الذي أراده الرسام من هذه الرسوم المضحكة. وفي مكان آخر على هذه الصخور امرأة، على رأسها قبعة من القش حادّة الأطراف يهدّدها من ثلاث جهات ثلاثة أعضاء جنسية ذكرية.

وفي منطقة ( تيسوقاي نافيلا ) في الصحراء الجزائرية أيضاً عثر على رسم فوق إحدى الصخور يصور مخلوقاً غريباً يجلس القرفصاء، وله عضو تناسلي ضخم، وذيل أزلط، وأذنان كبيرتان حادّتا النهايتين، وعينان دائريتان واسعتان وأنف معقوف كمنقار البوم. وإلى الشمال الغربي من هذه المنطقة رَسْمٌ على إحدى الصخور يصور أشخاصاً ممشوقي القامات لهم ذقون طويلة، دقيقة النهايات ويرتدون جلود وحوش مغلقةً عند الصدور مسلحين بالسهام والأقواس ذات الانحناءات الثلاثة يذكرّون بالمحاربين " الهكسوس " الذين احتلوا مصر في حوالي 1550 ق.م، وبالنقوش السومرية العائدة الى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد.

في هذه الرسوم جميعا يُلاحظ التشويه في المقاييس التشريحية لجزء من الجسم أو للجسم كله ولكنه يمكن القول إنه رغم ذلك فإنه لا يمكن التأكيد على المضمون الساخر فيها.

إلا أنه تم العثور على رسوم ذات مواضيع، يؤكد الكثير من الباحثين بشكل قاطع أنها ساخرة. من هؤلاء الباحثين القس " بريل " الذي دُهش للطابع القصصي الذي تحمله مجموعة من الرسوم التي تم العثور عليها في الصحراء الجزائرية، والتي قام القس بدراستها بشكل عميق وأكد على أن المضمون الفكاهي فيها، يحتل المكانة الأولى، وقد أثارت هذه الرسوم تساؤلاتٍ كثيرةً لدى القس، فهل يدور الحديث عن حركة قطيع من الثيران؟ أم عن مضارب الرعاة المكونة من الأكواخ، أم عن ثيران مقيّدة أم عن نساء يمشطن شعور بعضهن بعضاً أم عن صيد الغزلان أم عن اقتسام لحم حمار الوحش أم عن كل هذه الأشياء مجموعة؟ والتي تشكل مع بعضها بعضاً صورة مكتملة لحياة رعاة القطعان في البراري السودانية، حتى عصرنا الراهن.

وفي بعض الأحيان يبلغ التعبير الفكاهي أوجه بالنسبة إلى ذلك العصر في بعض هذه الرسوم، وبهذا الصدد يمكن الإشارة إلى رسم ذي مضمون جنسي، تم اكتشافه ونسخه على الكوتشوك في عام 1956 من قبل بعثة أثرية فرنسية، يقودها عالم الآثار الفرنسي الشهير " لوت " وقد رسم على صخرة ليس من السهل الوصول إليها حيث يقع الرسم على ارتفاع ستة أمتار وكأن الرسام أراد أن تقع عليها عين الناظر مهما كانت الجهة التي مر بها من هذا المكان, وفي هذه اللوحة التي تمثل العلاقة بين المرأة والرجل لا شيء فاضح، ونقول لا شيء فاضح لأن تصوير عملية الاتصال الجنسي في ذلك الوقت لم تكن أمراً خارجاً عن الحياء العام وهذا ما عرفته الكثير من الحضارات القديمة مثل الحضارة اليونانية، وبعض حضارات القارة الأمريكية البائدة، وهو ما زال موجوداً حتى عصرنا الراهن، لدى بعض التجمعات البشرية مثل بعض قبائل الأسكيمو وبعض قبائل الهنود الحمر وبعض القبائل الأفريقية البدائية والتي تعتبر عملية الاتصال الجنسي الجماعي عندها أمراً عادياً جداً لا يختلف عن تناول الطعام والشراب، ومن الممكن أن هذا الرسم يصور عملية اتصال جنسي جماعي أو مكاناً للدعارة أو حتى من الممكن مراحل مختلفة لقصة واحدة، ومن الممكن أيضاً أنه يصور الأشكال المختلفة لعلاقة الرجل بالمرأة، ففي الوسط من الأعلى امرأة مستلقية منفرجة الساقين وفوقها رجل بوضعية لا يمكن أن تفهم إلا بشكل واحد، والمضحك أن امرأة تجلس القرفصاء على يمينهما وتلوح بيدها وكأنها تعد لهما الحركات أو تضبط إيقاع العملية، وإلى أقصى اليمين رجل يشد امرأةً من يديها جاذباً إياها نحوه ناظراً إلى الرجل والمرأة المستلقيين، وكأنه يدعوها للقيام بنفس العمل. إلا أن المرأة تتمنّع، وفي أسفل الرسم رجل يدعو امرأة، إلا أن المرأة ترفع يديها بحركة تدل على أنها غير راغبة بما يقترحه عليها الرجل، وإلى اليسار امرأة تهرب من رجل يحاول الإمساك بها محاولةً إنقاذ نفسها من عناق لا حاجة لها به، وإلى الأعلى قليلاً على يسار الرسم رجل يمسك بالقوس ومنظره وحركته يدلان على أنه غاضب لأمر ما ويتجه باتجاه المرأة والرجل المستلقيين وكأنه يريد الانتقام للخيانة التي يرتكبانها وربما هذا الرجل الغاضب زوج تلك المرأة أو شيئاً من هذا القبيل ( صورة 1) .

إن حضارة جنوب الصحراء الجزائرية ما تزال حتى الآن حضارة مجهولة الأصول وبحاجة إلى الكثير من البحث والدراسة، حيث أنه لم يتم العثور في هذه الأماكن على مقابر أو أثر بشري آخر يدل على تواجد البشر غير هذه الرسوم، ورغم توفر بعض الرسوم التي تشبه الرسوم المصرية أو السومرية إلاّ أن هذا لا يدل على أن حضارة الصحراء تنتمي إلى الحضارات الشرق أوسطية المذكورة. إذ أن عدد الرسوم العائدة لهذه الحضارات قليل جداً، ولا يقارن بعدد الرسوم التي تعود لحضارة الصحراء الجزائرية.

ومن الرسوم التي عثر عليها في شبه الجزيرة العربية على إحدى الصخور، والتي تحتوي في مضمونها على شيء من السخرية يمكن الإشارة إلى رسم يصور شخصين يحتسيان الخمر يجلسان على كرسيين منخفضين وفي يد كل واحد منهما قدح، وحركة الجسم تشير إلى أن الرجلين يترنحان فوق الكرسيين. وليس لدينا معلومات مع الأسف عن تاريخ هذا الرسم وغيره من الرسوم الكثيرة التي عثرت عليها البعثات الأثرية في مختلف البلدان والتي ما تزال بحاجة للكثير من البحث لاكتشاف محتوياتها.

إلا أن الصورة تصبح أكثر وضوحاً عندما نبدأ بالاطلاع على الرسوم والمنحوتات، التي تنتمي إلى الحضارات القديمة التي نالت قسطاً وافياً من الدراسة والبحث، والتي يمكن اعتبارها كذلك الأساس الجنيني للفن التشكيلي الساخر في العصور اللاحقة وذلك انطلاقاً من تأثيرها اللاحق على تطور الحضارة البشرية حتى يومنا الحاضر وخاصة منها تلك الحضارات التي سادت سورية ومصر وما بين النهرين وكذلك الحضارات اليونانية والرومانية والصينية والهندية وغيرها من الحضارات القديمة.

تُعتبر الأديان القديمة من أهم منابع السخرية، سواء في الأدب أم في التشكيل فمعظم أشكال المبالغة الموجودة سواء في الأدب أم في التشكيل مأخوذة من هذه الأديان. أولها الصفة الدينية، وفي المراحل الأولى لظهور الأسطورة لم يكن يتم تصوير الآلهة بطريقة البورتريه وإنما كان يتم تصوير الملامح المميزة لهذه الآلهة، والتي كانت الأشكال تبعاً لها تعطى إما طابعاً مخيفاً يبعث الرعب وإما طابعاً كوميدياً ساخراً، ويمكن القول إن الهدف من المبالغة في البداية لم يكن بالضرورة السخرية وأحياناً لم يكن السخرية أبداً، فعند البابليين على سبيل المثال كان يتم تصوير الأرواح الشريرة بوجوه قبيحة وعلى شكل أنصاف الحيوانات، وكان من المفترض بهذه الأشكال أن تبعث الرعب في الإنسان، وكان الإنسان يقوم بمسخ أشكالها ربما انتقاماً منها، فعفريتة الحمى " لاماشتو " على سبيل المثال، كانت تصور كامرأة عجوز بنهدين متهدلين، وقوائم طير جارح ورأس أسد قبيح، وكانت تصور أحياناً واقفة على قدميها، مقوسة الظهر يرضع من ثديها كلب أو خنزير، أو تصور وهي راكبة حماراً للحطِ من مستواها، وأحياناً كانت تحمل مغزلاً أو مشطاً، والكلب والخنزير هما الحيوانان النجسان عند البابليين، كما هو معروف. ( صورة 2)

وكان لعفريت الزوابع " بازوزو " ( صورة 3) وجه مفزع كان بالإضافة إلى باقي صور العفاريت يستعمل لأغراض السحر ويوضع على قلائد النساء، وكانت صور العفاريت تصنع على شكل تماثيل صغيرة تستخدم لطرد الأمراض والأرواح الشريرة من البيوت. وعدا عن التماثيل التي تصور العفاريت يمكن العثور على عناصر المبالغة في الرسوم التي كانت ترفق بالتعاويذ، التي كانت تستخدم كذلك لأغراض السحر ففي إحدى هذه التعاويذ، التي كتبت باللغة الآرامية على قرص من الفخار ( صورة 4) يمكن العُثور في الوسط على رسم لإنسان يشبه في طريقة تنفيذه الكاريكاتير ورسوم الأطفال.

وبين آثار الفينيقيين سواء في سورية أو في قرطاج يمكن العثور على الكثير من الآثار التي تحمل الطابع الديني وتحتوي في مضمونها أو في أسلوب تنفيذها على عناصر المبالغة الساخرة، ويمكن الإشارة بشكل خاص إلى تلك الأقنعة الفخارية ذات الوجوه الضاحكة، والتي كان الهدف منها في أغلب الظن إخافة أو إضحاك العفاريت والشياطين، لكي تؤمّن، الهدوء للأحياء والأموات ومن الممكن أيضاً أن هذه الأقنعة كانت تصور تلك العفاريت نفسها، فقد كان حجمها أصغر من حجم الوجه البشري، مما يبعث على الاعتقاد بأنها لم تكن تصنع لكي يرتديها البشر، ويتم تقسيم هذه الأقنعة إلى عدة مجموعات

أقدمها |: وتعود إلى القرن السابع قبل الميلاد، وتعتمد التشويه في تصوير ملامح الوجه حيث العيون مفتوحة بشكل غير طبيعي، والأنف مضغوط والفم أعوج وممدود إلى الجانبين، والوجه كله مغطىً بالثآليل والنوام، وكانت هذه الأقنعة لفترة طويلة تعد نتاجاً بونياً خالصاً ويتم النظر إليها كنتاج للثقافة الفينيقية القرطاجية بالذات، ولكن الاكتشافات الأخيرة على الساحل السوري تؤكد على أن هذه الأقنعة ذات أصل فينيقي سوري إن صح التعبير. حيث تم العثور على مثل هذه الأقنعة، بكمية كبيرة نسبياً وتاريخ صناعتها يعود لفترة أقدم من الفترة التي يعود إليها تاريخ صناعة الأقنعة القرطاجية. وفيما بعد حدث بعض التغيير في هذه الأقنعة في الفترة البونية فظهرت مجموعة أخرى تميزت بأنها كانت تخلو من التشوهات الخلقية والثآليل والاعوجاجات وأخذت تحل محلها الغضون على الجبين والخدين وأصبحت العيون تأخذ شكل هلالين متحدبين للأعلى مثقوبين في الوسط والفم مفتوح ينفرج عن صفين من الأسنان بشكل ضاحك ولكنه منذر بالسوء ( صورة 5 a-b).

ويؤكد الكثير من الباحثين أن الأقنعة بالذات هي واحدة من المظاهر الأولى لانتقال السخرية إلى الفن التشكيلي، ونادراً ما يخلو فن شعب ما أو حضارة ما من الأقنعة التي تحمل في طريقة صناعتها عناصر السخرية أو الكوميديا، فبين الآثار التابعة للحضارة "التلينبكية" وهي إحدى حضارات القارة الأمريكية القديمة، والتي كانت موجودة في الجنوب الشرقي من منطقة "آلاسكا" حالياً عثر على قناع جلدي يعود إلى 700 ــ 200 ق.م لوجه ذي عينين دائريتين وحاجبين محدبين وأنف معقوف كمنقار البوم، والفم ممدود إلى الجانبين مبتسماً منفرجاً عن صفين من الأسنان، وقد عثر على هذا القناع في عام 1885م (صورة 6).



وفي الحضارات القديمة التي كانت سائدة في القارة الأمريكية بشكل عام يمكن العثور على الكثير من الرسوم والمنحوتات، التي تعود الى آثار حضارة "المايا" التي كانت سائدة في المكسيك مثلاً والمصنوعة في المرحلة التقليدية المتقدمة لهذه الحضارة، يمكن ذكر رسمين يصوران آلهة الجحيم ويعودان إلى المرحلة التي تمتد ما بين القرن السادس والتاسع تقريباً ففي الرسم الأول تقوم آلهة الجحيم بتعذيب أحد الأشخاص على ما يبدو وطريقة رسم هذه الصورة تشبه كثيرا المبالغة المستخدمة في فن الكاريكاتير ( صورة 7)، أما الرسم الثاني فيصور آلهة الجحيم ترقص ولها شكل قردين أسودين، أحدهما إلى يسار الرسم سمين ويرتدي ربطة حول العنق ، أما الثاني فهو نحيف ويرتدي حول رقبته قبة عريضة، ويمكن أن يكون الأول ذكراً والثاني أنثى. حيث أن الثاني له جديلة معقوفة من الخلف، والاثنان يغطيان عورتيهما بقطعتين من القماش وإلى أقصى اليمين مخلوق يشبه القرد ً، يعزف لهما على آلة تشبه الطبل ( صورة 8).



ومن بين الآثار العائدة للحضارة "التوتوناكية"، وهي إحدى حضارات المكسيك القديمة، يمكن الإشارة إلى تلك التماثيل الفخارية الصغيرة المصنوعة في الفترة الممتدة بين أعوام 800 ــ 900 والتي يجمعها موضوع واحد وهو أنها تصور إنساناً يضحك في وضعية واقفة، يتحدث بشيء ما رافعاً إحدى يديه إلى الأعلى، وأغلب الظن أن مضمون هذه التماثيل مستمد من موضوع فكاهي،( صورة 9 ).



كما ويمكن العثور على الكثير من الرسوم التي تعتمد المبالغة التشريحية وخاصة في معالم الوجه في الرسوم التي نقشت على المسلات، التي عثر عليها في بلدان أمريكا الجنوبية، ومن هذه المسلات مسلة تعود لحضارة "المايا" نقش عليها رسوم تصور ربما محاربين وأسرى أو أسياداً وعبيداً وربما لها مضمون ديني آخر إلا أن ما يهمنا هو أن الوجوه وخاصة في الجزء السفلي قد صورت بشكل "كاريكاتيري" بحت ( صورة 10) . فالرؤوس مفلطحة والأنوف معقوفة، والشفاه ممطوطة وإلى ماهنالك من أشكال المبالغة.

وبين آثار حضارة " ألانكا" التي كانت سائدة في " البيرو" يمكن العثور على الكثير من الأواني الفخارية، وقد رسمت عليها أشكال بشرية مشوّهة، مبالغ فيها تصور محاربين وأسرى وأشباه بشر، وحيوانات في وضعيات مختلفة.

وتعتبر آثار الحضارة الإغريقية من أكثر الحضارات القديمة احتواءً على المبالغة الساخرة سواء في الشكل أو في المضمون ومن بين هذه الآثار يمكن الإشارة إلى المجموعة الكبيرة من المنحوتات والرسوم، التي تصور رأس "الميدوزا" فقد كانت الرسوم التي تصور رأس الميدوزاً تزين دروع المحاربين رمزاً للشجاعة، وتزين تيجان الأعمدة، وبوابات المنازل، والقصور وكذلك جدران المعابد والقبور ويمكن العثور عليها بأعداد كبيرة سواء في الحضارة اليونانية أو في الحضارة الرومانية.

( الصور 11 ـ 12 ـ 13 ـ 14 ) وفي جميع هذه المنحوتات والرسوم يحمل وجه "الميدوزا" تفاصيل واحدة تقريباً، حيث يتكون شعرها من الأفاعي ويفتر فمها عن ابتسامة شريرة وأسنان مخلعة متفرقة عن بعضها البعض ولسان ممدود وأنف أفطس أو مفلطح ولها عينان مفتوحتان على اتساعهما أو عين مفتوحة وعين مغلقة وحاجبان محدبان وكانت هذه الرسوم دائماً تعطي لوجه "الميدوزا" الطابع الشرير.

ومن الفنانين الذين اشتهروا برسم الميدوزا في القرن الأول قبل الميلاد فنان من إحدى مدن آسيا الصغرى، وكانت له لوحات كثيرة لها موضوع الأسطورة واسمه "تيموماخ". ونشاهد المبالغة في الخطوط، في شكل واضح في جميع الرسوم التي تصور الميدوزا وعلى الأواني الكثيرة التي عثر عليها والعائدة إلى الحضارة الإغريقية كذلك يمكن العثور على الكثير من الرسوم التي تحمل عنصر المبالغة أو المضمون الساخر أو الكوميدي، وأعداد هذه الرسوم كبيرة لدرجة يصعب حصرها أو التنويه إليها جميعاً، ولذلك نكتفي ببعض الأمثلة التي تفي بالغرض، فعلى إحدى هذه الأواني مثلاً يمكن مشاهدة رسم يصوّر ولادة "أفروديت" إلهة الحب والجمال، حيث "أفروديت" في الوسط وحولها يرقص مخلوقان غريبان لهما جسمان بشريان ورأسا تيسين، ويعود تاريخ هذه الآنية إلى العام 460ق.م وهي محفوظة في متحف بوسطن.



وعلى آنية أخرى رسم يعود إلى القرن الرابع ق.م، رسم يمثل إله الخمر "ديونيس" و"سيلين" الأصلع الذي تنبثق من صدغيه أذنان قصيرتان، يسكب له الخمر ( صورة 15). وفي رسم آخر يمكننا مشاهدة "سيلين" في حالة من السكر يتبول على نفسه، ويغني . وهذا الرسم يعود إلى النصف الثاني من القرن السادس ق.م ( صورة 16).



وعلى آنية أخرى رسم يمثل " مارسيوس " يستمتع بالاستماع للعزف على الناي ويبدو أصلع عارياً ذا كرش مندلق أمامه وحوله نساء يرقصن، وشخص يحمل رمحاً وله قائمتان خلفيتان تشبهان قوائم الحمار ( صورة 17). ويعود هذا الرسم إلى حوالي 360ق.م، وتصور الكثير من الرسوم المنفذة على الأواني المختلفة الاحتفالات، التي كانت تجري على شرف الإله " ديونيس" وأشخاصاً يرقصون، ويغنون أو يقومون بطقوس أخرى، لهم ذيول ورؤوس حيونات أولهم أشكال مضحكة . وكان هؤلاء الأشخاص عادة يمثلون مخلوقات شبه إلهية، ترافق الإله " ديونيس".



ويمكن العثور على عناصر المبالغة والسخرية كذلك في الكثير من التماثيل والمنحوتات الجدارية القديمة، وبطل هذه المنحوتات أيضاً كان في معظم الأحيان الإله " ديونيس" أو المخلوقات المرافقة له، أو كانت تصور أعياداً وأحداثاً متعلقة به. ومعظم هذه المنحوتات كانت تلجأ إلى إظهار المبالغة بشكل خاص في تصوير الأعضاء التناسلية، ومن هذه المنحوتات يمكن الإشارة إلى التمثال الذي يمجّد الإله " ديونيس " والذي يصور عضواً جنسياً ذكرياً ضخماً على قاعدة حجرية نُحت عليها كذلك جسم رجل (صورة 18). ومن هذه التماثيل أيضاً يمكن الإشارة إلى التمثال الذي يصور الإله "بلوتون" إله مملكة الأموات يشد عضوه التناسلي الضخم إلى كتفه (صورة 19)، وكذلك الأمر يمكن الإشارة إلى المنحوتة التي تصور "برياب" إله البساتين والأراضي، وقد انتصب عضوه وانحنى إلى الخلف (صورة 20). والكثير من الأمثلة الأخرى التي يمكن سردها، وليس ذلك بغريب على الحضارة اليونانية لأن اليونانيين القدماء كانوا كما يصورون آلهتهم بأشكال بشرية وينسبون إليها تصرفات بشرية، فقد كانوا يتعاملون مع هذه الآلهة تعاملهم مع البشر فكان بعضها محطاً للتقدير والاحترام، وبعضها الآخر هدفاً للكراهية والبغض. وبعضها الآخر هدفاً للسخرية، وهكذا دواليك.. ولذلك فلم يكن من الغريب أن ترى الآلهة اليونانية بهذه الأشكال المثيرة للضحك، لأن من بين هذه الآلهة الكثير ممن يحبون اللهو والتسلية مثل الإله " ديونيس ". وكانت الأسطورة تصورها كمخلوقات في معظم الأحيان صلعاء، أولها آذان تنبثق من الصدغين ودائماً في حالة مرح، وفي حالة سكر.

وكان الإغريق يزينون بيوتهم بالرسوم الهزلية لآلهتهم وكذلك يصورون آلهة أعدائهم بشكل ساخر ومتهكم، وغالباً ما تحتل هذه الرسوم الجدران الخارجية، وبوابات المنازل، وكان عند الإغريق رسّامون اشتهروا بمزاولتهم لهذا النوع من الرسم، ومنهم " بوزون "، الذي ذكره أرسطو في أكثر من مؤلف له، وكان أرسطو يسمي الفن الذي يعتمد المبالغة بالفن (البشع). وفي أحد أعماله حول الفن يعتبر الفن كنوع من أنواع النشاط البشري وينصح بالابتعاد عن الحرفة وهو يرى أن الطريق إلى الحقيقة في الملحمة الشعرية هو في تقريبها من الفن التشكيلي، وبما أنه كان يقسم الفن إلى فن جيد وفن سيء، وكان يعتبر " بوزون " ممثلاً للفن السيّء لأنه يصور أشخاصاً سيئين. فقد كان ينصح عند القيام بعمل فني، من رسم ونحت بأن لا يحذو الرسام حذو" بوزون " ويتمثل به بل أن يحذو حذو " بوليغنوت " . وهو فنان آخر في نفس ذلك العصر كان حسب أرسطو يمثل الفن الجيد. وليس غريباً أن ينظر أرسطو هذه النظرة إلى الرسم الساخر الذي يستخدم المبالغة والتشويه ويسميه بالفن البشع، فالكثير من الباحثين يرون أن ظهور السخرية والمبالغة في فن حضارة ما، كان علامة بدء انحطاط هذه الحضارة. وربما ذلك يعود إلى أن تطور الفن في ذلك الوقت، كان يتجه نحو الكمال من الناحية التشريحية. ولذلك فإن أي خروج عن هذا الاتجاه كان يعدّ انحطاطاً، وكان يوسم بالسيّء، وأي خرق تشريحي، كان بالضرورة ابتعاداً عن الجمال، وبالتالي يوصف بالبشع.

ورغم تأثر الحضارة الرومانية الكبير بالحضارة الإغريقية إلا أن هذه الحضارة خلت من ظاهرة السخرية والمبالغة في فنونها، ولكن هذا لم يمنع من وجود هذه الظاهرة في الكثير من الحضارات الأخرى التي مهدت لظهور الحضارة الرومانية، ومن هذه الحضارات يجدر التنويه إلى الحضارة " الأتروسيه " التي سادت في الجزء الشمالي الغربي من شبه الجزيرة الإيطالية. ففي الرسوم العائدة إلى هذه الحضارة يمكن العثور علىتأثير الحضارة اليونانية في مجال المبالغة الذي يستمد موضوعه من الأسطورة اليونانية مباشرة. ومن هذه الآثار سبق وأشرنا في مكان سابق إلى رأس " الميدوزا "، التي كان " الأتروسيّون " يصورونها تماماً كما وصفت في الأسطورة الإغريقية. والمبالغة الساخرة في الحضارة " الأتروسية" يمكن كذلك العثور عليها في الرسوم التي تزين الأواني والمرايا والحلي وغيرها من الأدوات ذات الاستخدام المنزلي. وكانت هذه الرسوم ذات مواضيع مختلفة فعلى إحدى هذه الأواني مثلاً يمكننا مشاهدة رسم يصور صراع قبيلة الأقزام الأفارقة مع طيور الغرانيق، وهو مرسوم على آنية زهور، مصنوعة بالطريقة اليونانية وكان " الأتروسيّون " يلجأون إلى تشويه معالم الأفارقة، ويبالغون في تشويه ملامحهم، فيرسمونهم كأقزام ومسوخ، قصار القامة ثقيلي الحركة، بشكل يبعث على الضحك (صورة 21).



وكان الفنانون " الأتروسيون " الذين يزاولون هذه المهنة يلجأون إلى السخرية، والفكاهة في هذه الرسوم لتخفيف القسوة والثقل الذي تبعثه في النفس رسوم أخرى منفذة على نفس تلك الأواني وكانت تلك الرسوم المذكورة تصور المعارك والحروب بين " الأتروسيين " وجيرانهم، أو تصور لقطات تراجيدية من الأسطورة. وتعود فترة صناعة هذه الأواني إلى القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد. وقد لاقت صناعة الأواني الفخارية في تلك الفترة رواجاً كبيراً في الحضارة " الأتروسية " فكانت تصنع الأباريق الفخارية على شكل رؤوس بشرية ضاحكة، وكان يشغل كل جهة من جانبي الإبريق وجه بشري، ومن هذه الأواني نورد مثالاً لإبريق تعود فترة صناعته إلى الألف الثالث ق.م (صورة 22). فعلى الوجه الأول يمكننا مشاهدة وجه بشري ذي ملامح غاضبة مفتوح الفم وقد أغمض عيناً وفتح الأخرى، وعلى الوجه الثاني صورة شخص يبتسم ابتسامةً خبيثةً وينظر كذلك نظرة خبيثة، عيناه مفتوحتان بشكل واسع وحاجباه محدّبان للأعلى على شكل قوسين متصلين، وقد كانت ظاهرة التوازن بين الكوميديا والتراجيديا في الحضارة " الأتروسية " شائعة على ما يبدو. فكما رأينا فإنه في الرسوم التي ذكرناها على الأواني المنزلية، والتي تصور صراع الأفارقة الأقزام مع طيور الغرانيق، مقابل الرسوم ذات الطابع التراجيدي فإنه على الإبريق يتكرر الأمر نفسه، والأشكال المرسومة على الأواني، والأشكال المرسومة على الأباريق كان الهدف منها الحصول على تجاوب كوميدي إي إثارة الضحك. وإضافة إلى صناعة الأواني المنزلية، كانت كذلك الأمر صناعة الأقنعة تصور العفاريت المذكورة في الأسطورة، وكانت تعلق على جدران المدافن، وهذه الصناعة كانت رائجة بشكل أساسي في القرن الثاني ق.م. وفي الفترة الممتدة بين القرنين الثاني والثالث ق.م راجت كذلك صناعة المرايا البرونزية والتي كانت تزين بالرسوم على الجهة الخلفية للمرآة وعلى إحدى هذه المرايا، التي يعود تاريخ صناعتها إلى القرن الثالث ق.م (صورة 23)، يمكننا مشاهدة رسم يصور محاكمة " باريس" وحوله " أفروديت" و"أثينا و" هيرا " وقد صورن بشكل كاريكاتيري. واستخدمت المبالغة في الحضارة " الأتروسية " بشكل واسع في كل المجالات. فالمعماريون " الأتروسيون " كانوا يزينون الأعمدة وزوايا الأسطح، بتماثيل لرأس " الميدوزا " ، وغيرها من الرسوم التي ترمز إلى أشياء مختلفة.



وفي الفن الهيليني كان هناك اتجاهان الاتجاه الأول تقليدي تابع فن " براكسيتيل " (من القرن الرابع قبل الميلاد)، الذي تجلى بتصوير الآلهة بشكل مثالي، أما الاتجاه الثاني، فقد تابع تقاليد " لسيب " ( من القرن الرابع قبل الميلاد أيضاً )، والذي كان يرصد الحركة والانفعال في تصوير الإنسان والذي قام بتصغير النسب في تنفيذ الرأس وطول اليدين والرجلين وقام بتصوير الحالات المختلفة النفسية للبشر. فقام هؤلاء الفنانون بتصوير العجائز وأشخاص ذوي عاهات مثل الأحدب ( 24)، والقزمة الراقصة (صورة 25 )، وهما من حضارة الإسكندرية التابعة للعهد الهيليني. ويمكن القول إنه في الإسكندرية أصاب الفن الواقعي في القرن الرابع قبل الميلاد تطوره اللاحق في " الكاريكاتير" ففي الإسكندرية بالذات تم تنفيذ ماسمي آنذاك بـ (مناظر النيل)، حيث على خلفية شواطئ النيل تم رسم مشاهد كوميدية كانت في أغلبها تصور قبائل الأقزام الأفريقية (صورة 26). وفيما بعد أصبح هذا الموضوع الكوميدي مشهوراً في الفن الجداري الفسيفسائي الروماني. وقد اشتهر فنان يدعى " بيريك " برسومه الهزلية، والرسام " بيريك " عمل أغلب الظن في الإسكندرية، علماً أن أصله مجهول، وقد قام هذا الرسام بتصوير محلات الحذائين والحلاقين، والحمير المحملة، ونتيجة لموضوعات رسومه فقد حصل في عصره على لقب ( رسام المزابل )، ولكن هذا النوع من الرسم رغم ذلك لقي نجاحاً لاحقاً، ليس فقط في الفن الهيليني وإنما في الفن الروماني أيضاً.



وفي الحضارة الهندية كذلك يمكن العثور على الرسوم المستمدة من الأسطورة الهندية، والتي تحتوي على المواضيع الساخرة، وخاصة في الآثار التي تسمى ( فيدى ) و ( ريغفيدي ) . فعلى إحدى الأعمدة التي تتشكل منها هذه الآثار يوجد رسم يمثل الإله " أندورو" وهو في حالة من السكر الشديد، بعد أن تناول فوق حاجته من شراب " السومي " الذي يقدم في الأضاحي، وفي رسم آخر نرى الصيدلي " براهما " وأحد مرضاه، وتعود هذه الرسوم إلى القرن العاشر ق.م.

ولعل الحضارة المصرية هي الحضارة الأغنى والأكثر تطوراً في مجال الرسم الساخر إذ أنها تمتاز عن باقي الحضارات بأن الرسوم التي تعود لها تستمد مواضيعها من الحياة وليس من الأسطورة وتضفي عليها طابعاً فلسفياً، فلا تكتفي فقط بالفكاهة، وإنما ترمز إلى أمور أخرى. ورغم تفوق الحضارة الإغريقية بعدد الرسوم والمنحوتات إلا أن الرسوم العائدة لها لا تصل إلى عمق ومستوى الرسوم المصرية من وجهة نظر السخرية، ومن يدري فقد تكون الحضارة المصرية قد تفوقت حتى في العدد وقد تكون قلة الرسوم عائدة إلى أن المصريين كانوا ينفذون رسومهم على ورق البردي فكانت أكثر قابلية للنقل، وكذلك للتلف ولهذا فهناك احتمال كبير بأن مابقي من هذه الرسوم حتى عصرنا الحالي يشكل نسبة قليلة إلى العدد الأصلي لهذه الرسوم بخلاف الرسوم اليونانية التي كانت تنفذ على الحجر و على أجسام صلبة أخرى وبذلك حافظت على نفسها حتى عصرنا الحاضر.

ومن بين هذه الرسوم، يمكننا الإشارة إلى رسم يصور قطاً برياً يرعى الأوز، ويعود إلى فترة الدولة الحديثة أي إلى حوالي القرن الخامس ق.م (صورة 27). والذي يمكن تفسيره بأشكال مختلفة ويبقى المعنى كما يقولون ( بقلب الشاعر)، وكذلك إلى رسم يصور القطط تقوم بخدمة الفئران ، حيث رتل من أربع قطط أولها يحمل قدحاً وآخرها يحمل آنية زجاجية تحتوي على الخمر، يقدمونها إلى فأر يقف في مواجهتهم، ومثل هذا الرسم يمكن كذلك أن يحمل معاني مختلفة، مثل أن الفأر غني والقطط تتزلف له، وربما الفأر بحد ذاته هو خادم لمخلوق ذي سطوة. ولذلك تقوم القطط بخدمته عن طيبة خاطر لأنها تخاف سيده وكما يقول المثل: ( كلب الأمير أمير ) ويمكن إسقاط معاني كثيرة على هذا الرسم، وربما بكل بساطة لم يقصد الرسام شيئاً محدداً على الإطلاق غير إثارة الضحك، لمفارقة غير واقعية.



وفي رسم من القرن الثالث ق.م، نرى مضموناً معاكساً، ولكنه طريف أيضاً يصور ثلاثة فئران، تقف بوجل أمام قط (صورة 28) يحمل أحُدها إناء في اليد اليسرى وفي اليد اليمنى يحمل قدحاً أو قمعاً، وهذا الرسم أيضاً يمكن تحميله الكثير من المعاني، فربما يرمز إلى أن الفئران تقدم الطاعة للقط وربما يرمز إلى عملية جباية الضرائب من قبل الدولة وربما ببساطة أراد الرسام أن يبين أنه كيف تزول العدوات وتتقارب القلوب من بعضها بعضاً حول إناء الخمر وأراد الإضحاك فقط.



وفي متحف " تورنتو" في إيطاليا رسم يصور أسداً وتيساً يلعبان لعبة تشبه الشطرنج (صورة 29) وهذا الرسم أيضاً يمكن أن يفهم بأشكال مختلفة أحدها المودة ونسيان الأسد لحم التيس اللذيذ، ويمكن أن يكون الأسد في هذا الرسم يرمز بشكل مباشر إلى الفرعون، والتيس إلى الرعية ويلعب الفرعون مع الرعية للدلالة على تقربة من الرعية، ويمكن أن يرمز التيس إلى الناس الذين يحشرون أنوفهم في قضايا لا تخصهم فيقعون في ورطات ليس لهم القدرة على الخروج منها، فالتيس كما هو معروف ينتمي إلى فصيلة الحيوانات الفضولية ومن هنا يمكن أن يكون الرسام قد انتقى التيس بالذات ويمكن أن يكون قد انتقاه لأنه كذلك من أعند الحيوانات. والرسام يرمز إلى أولئك الذين لا يفكرون بعقولهم ولا يحسبون حساباً للخطوات التي يقدمون عليها، فهذا التيس لو انتصر في لعبة الشطرنج هذه لسلخ جلده ولذلك فهو مضطر للخسارة حتى ولو كان قادراً على الفوز، ويمكن أن يرمز الرسم إلى عدم تكافؤ القوى في صراع محدد نجهله نحن أو نجهل علاقته بالرسم ويمكن أن يكون هدفه الفكاهة فقط ولكن في كل الأحوال فإن عناصر الرسم تدل على وضع التيس الذي لا يحسد عليه، وعلى حالة الخوف التي تسيطر عليه، وعلى العكس من ذلك تبين حالة القوة والثقة بالنفس لدى الأسد، فالأسد يحمل قطعته بيده فوق الرقعة بينما التيس يده تحت الرقعة، الأسد يتكلم، والتيس صامت وباختصار فإن الأسد في حالة هجوم والتيس في حالة استسلام.



وفي رسم آخر يعود إلى الفترة القبطية نرى ثعلباً يركب تيساً (صورة 30)، وربما يفهم من هذا الرسم أيضاً معاني كثيرة منها أن التيس يرمز إلى الغباء، وسرعة الانقياد، حيث أن الرسم يحتوي أيضاً على بوابة منزل يبدو أن الثعلب خرج على ظهر التيس منها. وكذلك يمكن الإشارة إلى رسم يعود للقرن الثالث ق.م ويصور طائراً يصعد شجرة بواسطة سلم نصب عليها، وفرس النهر يقف على أغصان هذه الشجرة، والتي يمكن أن يفهم منها الرمز إلى الناس الذين لا يستخدمون قدراتهم، مثل ذلك الطائر الذي لا يعرف انه من الأسهل الطيران له، وإلى الناس الذين لا يعرفون أماكنهم مثل فرس النهر، الذي يجلس فوق الشجرة ومعان أخرى مختلفة. (صورة 31) . وفي رسم آخر نرى فرقة موسيقية مؤلفة من حمار وأسد وتمساح وقرد، يعزفون على آلات موسيقية مختلفة، ربما يحمل معاني خاصة وربما كان هدف الرسام السخرية من عازفين محددين. ، ويذكر أنه في متحف الكاريكاتير في لندن يوجد رسم كاريكاتيري مصري يعود للقرن الثالث قبل الميلاد، يصور الفساد الأخلاقي الذي يسود البلاط، ويسخر من الفرعون. ومن الجدير بالذكر أن الأسطورة المصرية القديمة احتوت فيما احتوت على إله للفكاهة وقد عثر على نحت جداري يصوره في أحد المعابد ، ويمكن أن تكون الرسوم المذكورة جميعها مرتبطة بالقصص الشعبية التي كانت سائدة آنذاك ويمكن أن يكون بعضها مثل الرسم الذي يصور الفرقة الموسيقية قد استمد رموزه من الأسطورة المصرية. وهذا أمر لا يؤكده أو ينفيه إلا متخصص بالآثار والتاريخ القديم، ولا يدخل في مجال الحديث هنا.

وفي الآثار العائدة للحثيين أيضاً يمكن العثور على بعض الآثار التي تحتوي على عنصر المبالغة ففي متحف برلين الحكومي منحوتة حثية تصور امرأة عارية الصدر ذات خصر نحيف للغاية وساقين بالغي الطول وعينين غائرتين وشفتين ممطوطتين، وفي المتحف البريطاني منحوتات من الذهب لرجل يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً وله وجه ذو تقاطيع كاريكاتيرية ومنحوتات كثيرة أخرى مشابهة ولكنها وإن احتوت على المبالغة فإن السخرية المباشرة تنقصها.



ويمكن العثور على المبالغة الساخرة في الآثار الآشورية أيضاً، ففي عام 1846م تم اكتشاف مسلة مربعة الأضلاع من المرمر في قلعة النمرود يبلغ ارتفاعها مترين وقد نقش عليها الكثير من الرسوم، وعلى إحدى جهات المسلة نحت يصور ملك مهزوم أو شخصاً يمثله ساجداً أمام الملك الآشوري "سلمنصر" يقبل الأرض عند قدميه، وفي هذا الرسم قام النحات الآشوري بإعطاء وجه الملك المهزوم ملامح " كاريكاتيرية" فالرقبة طويلة منحنية، والأنف معقوف، والقبعة مردودة إلى الخلف، ولباسه رث ولا يشبه لباس الملوك ويعود تاريخ الرسم إلى حوالي منتصف القرن التاسع ق.م ، وفي منحوتة آشورية أخرى رسم يمثل صراع الآشوريين مع أعدائهم، فيصور محارباً آشورياً جميلاً قوياً، متناسق الجسد، يحمل بيده رمحاً يوشك أن يطعن به ملك الأعداء المهزوم، أما الملك المغلوب فنراه راكعاً على قدميه. يداه مرفوعتان بالرجاء، وأنفه متّصل بجبهته شفتاه ممطوطتان إلى الأمام وفمه يشبه أفواه القردة، وخلفه اثنان من أتباعه يتوسلان ولهما ملامح مشابهة، وبغض النظر عن تغيب المضمون الكوميدي سواء في الرسم الأول أو في الرسم الثاني إلا أن الفنان الآشوري تَقَصَّد المبالغة في رسم ملامح الأعداء في هذين الرسمين وفي رسوم كثيرة أخرى، لهدف أساسي هو السخرية من الأعداء والتقليل من شأنهم، ولذلك فقد صورهم بأشكال مثيرة للضحك.



وفي الآثار العائدة إلى الحضارة البيزنطية يمكن العثور على الكثير من الرسوم وبخاصة المنمنمات والتي تحتوي على عناصر المبالغة والسخرية، ومنها الرسم الموجود في المتحف الحكومي الروسي في موسكو والذي يصور شخصين، يقومان بحركات مضحكة لهما أنفان طويلان وذقنان منحنيتان للأعلى يتملقان أحداً. ولذلك سمي الرسم بالـ ( متملقين ).



وفي آثار الهند الصينية كذلك يمكن العثور على مثل هذه الرسوم والمنحوتات ومن بين هذه المنحوتات على سبيل المثال نحت جداري يعود إلى القرن التاسع في أحد المعابد في كمبوديا يصور صراع الديكة (صورة 32). وملامح وجوه المتفرجين في هذا الرسم تحتوي على الكثير من المبالغة، وحركاتهم المتابعة للصراع تبعث على الضحك فرقابهم ممطوطة إلى الأمام وشفاههم متدلية، ومضمون اللوحة قد يكون كوميدياً وقد يكون له دافع ديني.

إن المبالغة والخروج على المعايير التشريحية في الرسم وكذلك السخرية كانت موجودة ربما في كل الحضارات القديمة بدون استثناء. ولكنها كانت مكثفة هنا وقليلة هناك، تبعاً لسعة وتطور هذه الحضارة أو تلك في مجال الفنون التشكيلية، وذلك لأن المواضيع التي كانت صالحة كمادة للسخرية والمبالغة كانت كثيرة ولا يمكن حصرها من ملك الأعداء وآلهتهم، إلى الزوجة والحماة ولذلك فإن عملية حصرها أو التطرق إليها بشكل مفصل أمر صعب للغاية ونكتفي بهذه الأمثلة التي تفي بالغرض.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
المبالغة التشكيلية في الحضارات القديمة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ستارلاوز ********* STARLAWS Forum :: منتدى التعليم العالي :: قسم كلّيات / معاهد العلوم الإنسانية :: كلية الفنون الجميلة-
انتقل الى: