الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 محاكمة سقراط

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
حنان
عضو مداوم


عدد المساهمات : 944
نقاط : 6768
تاريخ التسجيل : 09/04/2009
العمر : 34
الموقع : q8

مُساهمةموضوع: محاكمة سقراط   الخميس 16 أبريل 2009, 9:54 pm

بسم الله الرحمن الرحيم

محاكمة سقراط



خمسمائة قاض وقاض جلسوا ، الواحد بجانب الآخر ، على المدرج ذي المقاعد الخشبية المغطاة بالحصر ، وفي مواجهتهم ، رئيس المحكمة محاطاً بكاتبه والحرس . وفي أسفل المدرج وضع الصندوق الذي سيضع فيه القضاه أحكامهم بعد انتهاء المحاكمة . الجلسة علنيه . ولا يسمح فيها لغير الرجال بالحضور . أما الطقس ، فقد كان جميلاً ، مما أدخل الإرتياح إلى نفوس الجميع وجعلهم يأملون بجلسة كاملة لا يربك مجراها مطر يهطل على الرؤوس أو برد يعطل تواصل الأفكار . وإذا بدا لنا أن انعقاد محكمة في الهواء الطلق أمر مستغرب بل وطريف ، اليوم ، فلنتذكر أننا في أثينا ، في صباح من أصبحة ربيع عام 399 قبل الميلاد .


أثينا هذه التي قدمت الديمقراطية للعالم ، تعيش فترة عصيبة ، لقد هزمتها سبارطة في حرب دامت بينهما سبعاً وعشرين سنة ، وفرضت عليها شروطاً قاسية . منها نظام "الثلاثين مستبداً " بقيادة أحد أبنائها ، كرينياس ، الذي تخلص منه الأثنيون منذ وقت ليس ببعيد . في هذا الجو من القنوط الوطني . كثرت الأحقاد وتعددت حوادث تصفية الحسابات لكن العدالة ظلت تعمل والقضاة في أثينا ، وعددهم ستة آلاف ، مواطنون متطوعون يجري إخبارهم سنوياً بشكل عشوائي . وهم يوزعون ، بعد الاختيار، في اثنتي عشرة محكمة في كل واحدة منها خمسمائة قاض وقاض .


متهم اليوم شيخ ذو لحية بيضاء وثياب رثة . إنه ابن النحات سوفرونيسك والقابلة فيلا ريت وهو الملقب بسقراط . لكن ما هي التهمة التي سيحاكم اليوم على أساسها؟ لقد اتهمه أحد المواطنين ، ويدعى مليتوس ، بالكفر بالآلهه وبادخال شياطين جديدة إلى المدينة وإفساد الشبية . وهي تهمة تستحق عقوبة الموت . ومن هو سقراط هذا ؟ إنه رجل بلغ السبعين من عمره ، قبيح المنظر بعينية الجاحظين وأنفه الأفطس ووجهة الممتليء ناهيك عن ثيابه المهملة والمكونة من معطف صوفي لا أزرار له ولا حزام . وفوق كل ذلك ، فأنه لا يمشي إلا حافي القدمين ، في الصيف كما في الشتاء . ولد سقراط في أثينا عام 469 ق .م في عائلة تعمل في النحت وعبثاً حاول أبواه تعليمه المهنة . كان لا يميل إلا للحوار ومناقشة الآخرين حول مختلف المواضيع داعياً إياهم إلى التفكير معه والتأمل . كان يجوب المدينة يتحدث إلى المار ويستوقف الشباب يفقههم في أمور الوجود وجوانب الحياة . وأثينا في ذلك العصر من الديمقراطية ، كانت تعج بالفلاسفة ورجال السياسة والأخلاق يسعى الناس اليهم ليأخذون عنهم أصول الفكر وكان هؤلاء يتقاضون عن تعليمهم أتعاباً باهظة في معظم الأحيان . أما سقراط فكان يرفض بيع فكره كان يعتبر أن الفلسفة ممارسة عضوية ويومية ، وأنها وبالتالي ، نمط حياة . وغني عن القول أن سقراط لم يكن مواطناً أثينيا كالآخرين . فهو لم يأبه لماديات الدنيا على الرغم من زواجة وإنجابه ثلاثة أولاد بل كان دائم الزهد في ما يشغل الناس . وهذا ما جعله غامضاً ، بل وموضع سخرية في الكثير من الاحيان . غير أن سقراط لم يعدم وسيلة لتوضيح حقيقة أمره كان يرد على مسامع محاوريه أن حقيقة الهية تدفعه للتصرف وأن هذه الحقيقة يمكن أن لا تكون سوى ضميره القابع في أعماق نفسه . تلك المشاعر وهذه الأفكار هي التي لم ترق للبعض ، وهي التي أوصلته لأن يمثل اليوم أمام المحكمة ، باعتبار أنه " يفسد الشبيبة ولا يؤمن بآلهة المدينة " .


في بدء الجلسة ، ولم يكن في نظام المحاكمات آنذاك ما يسمى اليوم بالادعاء العام ، وقف المدعي الأول مليتوس يتكلم عن مفاسد سقراط في المجتمع . وأعقبه مدعيان آخران ليكون وانيتوس وكلهم طلبوا الحكم بالإعدام على " العجوز الشرير " . ولانيتوس هذا مبرر آخر للادعاء على سقراط فقد كان ابنه تلميذا من تلاميذ الفيلسوف و " مضللاً به " وهذا ما يفسر انشغاله عن صنعة أبيه وهي الإتجار بالجلود . يضاف إلى ذلك أن سقراط تهكم عليه مرة أمام الناس خلال مناقشة ظهر فيها الجاهل وحديث النعمة على قدر كبير من السخف . ومن سوء طالع العجوز أيضاً ، أن كريتياس ، المستبد الدموي والعميل لسبارطة ، كان من بين تلاميذه ، في فترة من فترات حياته . إتخاذه كريتياس وآخرين غيره ممقوتين في مجتمعهم تلامذه له هو من قبيل انفتاحة على الجميع ودون النظر إلى آرائهم الساسية والفلسفية أو إلى نمط الحياة التي يعيشون . وإذا توخينا الاختصار ، قلنا أن سقراط ، بأفكاره ومناقشاته ، بدأ يصبح شخصاً مزعجاً ، ليس للسلطات فقط ، بل للآباء الذين رآى بعضهم أبناءه يخرجون عن طاعته ويلحقون بالمعلم.


بعد انتهاء المدعين الثلاثة من كلامهم ، جاء دور المتهم . ومن إجراءات المحاكمة الأثينية في ذلك العصر أن يتولى المتهم شخصياً الدفاع عن نفسه . وإذا كان غير قادر ، فإن محترفاً يقوم بتلقينه الدفاع وتحفيظه إياه عن ظهر قلب . يجب أن يستغرق الوقت الذي استغرقه الادعاء لا أكثر . بدأ سقراط دفاعه برد التهم ومن ثم ، بالانتقال إلى الهجوم ، قال إن من يدعي العلم ، من بين كل من ناقشت وحاورت ، وإنما هم جهلة ولا يفقهون من العلم شيئاً والحقيقة هي أني أعلم الناس . ذلك لأن الناس يعتقدون أنهم يعرفون شيئاً وهم ، في الواقع ، لايعرفون أي شيء . أما أنا فإني أعرف أني لا أعرف . وانتهى سقراط بتحذير القضاه من الحكم عليه بالموت . وأن فعلوا فإنهم لن يجدوا مثله وسيغرقهم الإله والأثنيين في سبات أبدي . أما إذا لم يفعلوا فسيعود إلى نشر أفكاره كما فعل دائماً وكما أوحى له ضميره . لم يستدر سقراط عطف القضاه كما يفعل عادة المتهمون الماثلون أمام مثل هذه المحكمة . لقد قال ما قاله وجلس دون أي انفعال . أما القضاه ، فقد بدأوا ينزلون المدرج ليضع كل واحد منهم حكمة في الصندوق . هذا الاقتراع هو أولي . إنه ينحصر في تقرير تجريم أو عدم تجريم المتهم .


قضت نتيجة التصويت بتجريم سقراط بفارق بسيط في الأصوات : 281 صوتاً ضد 220 . ويقتضي القانون الأثيني ، في هذه الحال ، أن يعين المتهم نفسه العقوبة التي يراها ، هو مناسبة . وقف سقراط وأعلن أنه يسره أن تتعهده البريتانية! وتعالا الصخب وصياح الاستنكار من الحضور الذين رأوا في كلامه تهكماً وسخرية من هيئة المحكمة ومن كل الموجودين . ذلك لأن البريتانية مؤسسة أثينية تتعهد عظام الرجال وتتولى تأمين معيشتهم بشكل لائق وكريم .


ما أن سمع القضاة كلام سقراط ، حتى قرروا أن يصتوا بأنفسهم على نوع العقوبة ومستواها . نزلوا ثانية إلى حيث الصندوق وصوتوا على أن يكون الحكم بالإعدام هو الجزاء الذي يجب أن يناله سقراط وذلك بأغلبية كبيرة . لقد أوقع الرجل نفسه في التهلكة بعد أن كان يمكنه أن ينقذها بتصرف آخر أكد للجميع أنه يسعى للموت بكل رغبة وحماس .


مضى شهر على صدور الحكم . أما طريقة التنفيذ فهي الأسهل من بين لائحة لا يخلو بعض بنودها من العنف : تجرع كمية من سم يحضر خصيصاً للمناسبة . خلال هذا الشهر . جاءه كريتون ، أحد تلامذته المخلصين ، عرض عليه أن يقبل الهرب من السجن ، بعد أن يتدبر كريتون أمر رشوة الحراس ، فرفض سقراط قائلاً بوجوب احترام العدالة وقوانينها ، حتى ولو كانت هذه القوانين جائزة .


هذا الشهر الذي فصل بين صدور الحكم وتنفيذه ، أمضاه سقراط بهدوء أدهش المتصلين به من حراس ونزلاء . أما لماذا أبقي شهراً كاملاً ينتظر مصيره ، فهذا يعود إلى أن تنفيذ أحكام الإعدام لم يكن مسموحاً به في الشرائع الدينية آنذاك إلا بعد عودة الكهنة من جزيرة ديلوس .
وفي اليوم التالي لهذه العودة ، تجمهر تلامذته في السجن ووصلت زوجته . وما أن رأته والحراس يفكون أصفاده تمهيداً للإعدام ، حتى أجهشت بالبكاء ونتفت شعرها ومزقت ثيابها:
آه يا زوجي! هذه آخر مرة تتكلم وآخر مرة ترى فيها أصدقاءك! .. تأثر سقراط وطلب إليها أن تذهب . ثم التفت نحو أصدقائه وبدأ يحدثهم ويتناقش وإياهم في مواضيع مختلفة في الفن والموت والروح .... وبينما هو كذلك ، إذ بالجلاد يقاطعه :
لا تتحرك كثيراً يا سقراط ، وإلا يفقد السم مفعوله وللمرة الأولى ينفعل سقراط ويقول للجلاد:
لماذا لا تضع كمية مضاعفة ؟ هذه مهنتك.
وعاد إلى التحدث مع تلامذته الذين لم يتمكنوا من إخفاء إعجابهم ودهشتهم . لقد استطاع هذا الإنسان أن ينتصر على غرائزه وعلى مخاوفه . وعندما اقترب الوقت المخصص لتجرع السم ، دخل سقراط غرفة مجاورة ليستحم وهو يقول :
أريد أن اوفر على النساء تنظيف جثة ميت . طال الاستحمام والجلاد ينتظر على الباب . ولما خرج سقراط ، اقترب منه الجلاد وفي يده كأس السم . قدمه إليه وقال له :
سقراط أعرف أنك لن تشتمني كما يفعل الآخرون . أنت عاقل وتستطيع أن تتحمل قدرك .
مرحى لك! هيا . ماذا علي أن أفعل ؟
لا شيء سوى خطوات قليلة بعد التجرع . وعندما تشعر بثقل في ساقيك ، عليك أن تستلقي والباقي يتولاه السم نفسه .
وتناول سقراط الكأس وتجرعه دفعة واحدة بكل هدوء . لم يتمالك تلامذته مشاعرهم فانفجروا يجهشون بالبكاء مثيرين غضب المعلم :
ماذا تفعلون ؟ لقد أمرت زوجتي بالرحيل حتى لا أرى ما يشبه مظاهر الضعف هذه أريد أن أموت بصمت الخشوع . فتمالكوا مشاعركم .
وصمت الجميع فوراً . بعدها استلقى سقراط كما أشار جلاده . وجاء الجلاد يقيد رجليه ويقول له :
هل تشعر بشيء؟
كلا
وطفق الجلاد يشرح للحاضرين أن الموت يصل إلى القلب بعد أن تبلغ البرودة الرجلين والبطن.
وعندما شعر سقراط بهذه البرودة تصل إلى بطنه ، أشار إلى تلميذه المخلص كريتون بالاقتراب ليقول له بصوت ضعيف :
كريتون ، في ذمتنا ديك لا يسكولاب . ادفع له ثمنه دون نقاش .
حاضر يا سيدي . هل تريد شيئاً آخر ؟
لم يجب سقراط . لقد أغمضت عيناه ...
" ديك لايسكولاب " إنها لا شك عبارة أراد بها سقراط التهكم على إله الطب . لم يوفر سخرياته على الآلهة ، حتى وهو على وشك أن يموت! وما الموت بالنسبة له ؟ أليس هو التحرر ؟ أليس الشفاء من مرض هو الحياة ، كما كان يردد دائماً ؟

هذه الجمله التي قالها سقراط قبل موته ، والتي تمثل التشاؤم الهاديء والساخر بأبرز معانيه ، كانت عبارة رسالة من أول رجل أعدم في التاريخ بسبب أفكاره




من كتاب أشهر المحاكمات في التاريخ




عدل سابقا من قبل حنان في الأربعاء 29 أبريل 2009, 7:02 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
Admin
Admin


عدد المساهمات : 1129
نقاط : 7351
تاريخ التسجيل : 07/01/2009
الموقع : weboutas.jeeran.com

مُساهمةموضوع: رد: محاكمة سقراط   الجمعة 17 أبريل 2009, 2:52 am

شكرا,


محاكمة سقراط محاكمة لا يمكن لأي قانوني أن يجهلها

في حقيقة الأمر, لقد أعطى وزنا ضخما للحكم القضائي,

و قبل ذلك أعطى هيبة لسلطان الدولة, و واجب الطاعة بمفهوم الأديان


أحسنت الانتقاء

بارك الله فيك, تحياتني الحارة





.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://www.weboutas.jeeran.com
اسماء25
عضو مداوم


عدد المساهمات : 504
نقاط : 6470
تاريخ التسجيل : 08/04/2009
العمر : 29

مُساهمةموضوع: رد: محاكمة سقراط   الجمعة 17 أبريل 2009, 9:43 am

شكرا لك اختي حنان على المحاكمة التى طالمة تمنيت معرفتها شكرا لك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
nermina
عضو مداوم


عدد المساهمات : 203
نقاط : 5851
تاريخ التسجيل : 15/04/2009
العمر : 25
الموقع : www.montada.elchoroukonline.com

مُساهمةموضوع: رد: محاكمة سقراط   الثلاثاء 21 أبريل 2009, 11:39 am

شكرا جزيل الشكر على الموضوع
تحياتي...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
حنان
عضو مداوم


عدد المساهمات : 944
نقاط : 6768
تاريخ التسجيل : 09/04/2009
العمر : 34
الموقع : q8

مُساهمةموضوع: رد: محاكمة سقراط   الأربعاء 29 أبريل 2009, 6:36 pm

شكرا لكم الحسن وأسماء وست الملك

أضفتم قيمة على القيمة



دمتم سالمين من كل شر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
محاكمة سقراط
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ستارلاوز ********* STARLAWS Forum :: منتدى التعليم العالي :: قسم كلّيات / معاهد العلوم الإنسانية :: كلية الحقوق-
انتقل الى: